خجل الأطفال .. ميزة أم إعاقة ؟
من الغريب أن نسبة كبيرة من الأطفال في سن ما قبل المدرسة ، ممن يشتهرون بالثرثرة والبوح في كنف الأسرة ، يفضلون التزام الصمت والكتمان حال مواجهة المجتمع الخارجي ، بل إن مجرد وجودهم في هذا المجتمع يوقع ضغطاً نفسياً عليهم ، ويشكل لهم مصدراً للقلق والمخاوف . ويقف الخجل خلف الميول والأحاسيس ، التي تنتاب هذه الشريحة من الأطفال .
تصف إحدى الأمهات حالة ابنتها ، ذات الأربع سنوات ، كلما اصطحبتها إلى حفلات أعياد الميلاد ، قائلة: ( أجدها ترفض تماماً مشاركة بقية الأطفال لحظات المتعة والمرح ، ولكنها ، بدلاً من ذلك ، تلتصق بساقي وتبكي ، أنا أراها دائماً عاجزة عن الاسترخاء والاستمتاع ) . فصحيح أن أغلبية الأطفال في سن ما قبل المدرسة ( 3 ــ 4 سنوات ) ، لا يترددون أبداً في مشاركة الآخرين اللعب الجماعي والاستمتاع ، إلا أننا نجد البعض منهم يشعرون بالضغط العصبي والإجهاد في مواجهة المواقف الاجتماعية المختلفة . وهؤلاء الأطفال يكونون عادة طليقي اللسان ، عندما يكونون في المنزل أو بين أفراد الأسرة ، فإذا خرجوا إلى المجتمع أحاط بهم الصمت المطبق وافتقدوا الإحساس بالأمان . وعلى الرغم من أن الطفل الخجول قد يبدو غالباً ، كارهاً المجتمع والتجمعات ، إلا أنه في حقيقة المر لا يكون كذلك .
تقول د. ( لين هندرسون ) أستاذة علم النفس في جامعة ( ستانفورد ) : (( يبدي الطفل الخجول اهتماماً كبيراً تجاه الآخرين وتجاه المواقف الاجتماعية الجديدة ، ولكن مخاوفه تقف حائلاً دون إظهار هذا الاهتمام ، أو إدخاله إلى حيز التنفيذ )) .
تؤكد د. ( جيروم كاغان ) أستاذة علم النفس في جامعة (هارفارد ) هذا الرأي من خلال نتائج حصلت عليها دراسة طويلة الأمد ، شملت أطفالاً في المراحل العمرية بين 4 أشهر و 11عاماً . فقد أثبتت هذه الدراسة أن الطفل الخجول يولد خجولاً ، ويعاني عادة من حساسية مفرطة تجاه الأشخاص ، الذين يراهم لأول مرة والمواقف الاجتماعية ، التي يتعرض لها لأول مرة . ويبدو أن هذه الحساسية ذات أصل جيني ، لكنها تظهر في صورة فيزيائية ( جسدية ) أو نفسية . وقد وضعت دراسة قام بها ( جوزيف لودو ) أستاذ علم النفس والأعصاب في جامعة نيويورك ، فرضية مفادها أن الشخص الخجول يكون لديه فرط في نشاط الجزء من الدماغ ، الذي يتحكم في ردود الفعل الانفعالية التي تحدث في جزء من الثانية . إذ يؤدي رد الفعل الذي نطلق عليه المقاومة ، أو الفرار ( الذي يدفع الشخص إلى استشعار القلق والهواجس ، خلال المواقف اليومية المختلفة .
ولأن الطفل الخجول يحتاج دوماً إلى الكثير من التشجيع ، فإن تنظيم الأحداث البسيطة ، مثل التنسيق لتجمع والتقاء عدد من الأطفال يحتاج إلى إعداد مسبق ومكثف ، إذ لاتنفع الطرق البسيطة في إرغام الطفل الخجول على الخروج من قوقعته . ويحذر د. ( وارد موالو ) من الآتي ( كلما ضغطت على الطفل الخجول أكثر من اللازم زادت مقاومته ضغطك ومحاولاتك ) . فإذا أردت أن تساعد الطفل الخجول على التخلص من خجله ، والشعور بالراحة تجاه المواقف الاجتماعية المختلفة ، فيجدر بك إتباع هذه النصائح الخمس :
ـــ اختيار حضانة متميزة : يزدهر خجل الأطفال ويظهر ، إذا كان المناخ المحيط . يشجع على ذلك . لذلك عند القيام باختيار الحضانة أو الروضة التي سوف تلحقين طفلك بها ، عليك أولاً أن تقومي بالبحث عن دار تطبق مبدأ
1: 7 ( أي أنه توجد معلمة واحدة لكل سبعة أطفال ) وحاولي اصطحاب الطفل إلى الدار قبل بدء العام الدراسي ببضعة أيام ، حتى تمنحيه الفرصة لالتقاء المعلمين والاعتياد على المكان الجديد . وتحدثي مع المعلمة عن خجل طفلك ، وحاولي أن تتعاوني معها لوضع خطة تربوية هدفها حث الطفل على استشعار الراحة والأمان في كنف المجتمع الجديد . واحرصي على أن تكوني دائماً على اتصال بالمعلمة على مدار العام الدراسي ، حتى تستطيعي أن تتكاتفي معها في مواجهة أية مشكلة ، قد يتعرض لها الطفل بسبب خجله .
ـــ امنحي طفلك وقتاً كافياً ليستعد : في جميع المواقف ، تأكدي من أن مخاوف طفلك وهواجسه سوف تتضاءل ، إذا عرف مسبقاً ما الذي يجب أن يتعرض له أو يواجهه عما قريب . وإذا استطاع أن يتوقع المواقف الاجتماعية التالية ، على سبيل المثال ، قبل الاحتفال بعيد ميلاد أحد أصدقائه ببضعة أيام ، حاولي أن تصطحبيه إلى منزل هذا الصديق حتى يلتقي والديه ويعرف منهما كيف سيكون مدار الأحداث ، وكيف سيجري جدول الحفل . تقول إحدى الأمهات :
( اعتدت على منح ابنتي ، ذات الأربع سنوات ، فرصة قد تطول لبضعة أسابيع ، حتى تستعد لخوض أية تجارب جديدة . فإذا كان علي اصطحباها إلى طبيب الأسنان ، في وقت قريب ، أحاول اصطحابها أكثر من مرة لعيادة الأسنان، وأقف بالقرب منها ثم أشير إليها قبل أن يحين موعد الذهاب إلى العيادة ، ببضعة أيام . وقبل موعد الزيارة بيوم أو يومين ، احرص على الدخول معها إلى العيادة حتى تكسر حاجز الخوف ) .
ـــ الإنصات بصبر واهتمام : شجعي طفلك على التحدث معك عن مخاوفه . وحاولي أن تظهري إيمانك واعتقادك بتجاربه من دون أن تظهري نبذك أو رفضك اهتماماته ومفاهيمه . يمكنك مثلاً أن تقولي له : ( الشعور بالخجل شيء صعب ) . أو ( أنا أيضاً أشعر أحياناً بالخجل ) .
ـــ التدريب المنزلي : ابتكري لعبة تقومين خلالها بتأليف العديد من السيناريوهات ، التي يشترك طفلك فيها ، لتجسيد بعض المواقف التي قد يتعرض لها لاحقاً ، على سبيل المثال موقف يجسد التقاء صديق جديد ، ثم قومي بتبديل الأدوار بينك وبين طفلك ، حتى يصير في إمكانه معرفة كل من طرفي المعادلة .
تحكي إحدى الأمهات ، كيف أنها تختلق لابنتها مواقف لتعلمها الأسلوب الأمثل للتعامل إذا أبدت طفلة أخرى الرغبة في مشاركتها اللعب بدميتها ، أو إذا حاول صبي فظ خطف الدمية منها . تقول الأم : ( إن تكرار لعب الأدوار وتبادلها ساعدا ابنتي على السيطرة على أن تكون أقل قابلية للخضوع للتهديد ) .
ـــ استبدال التشاؤم : ترتبط سلوكيات الخجل غالباً بقابلية الشخص لتطوير أفكار سلبية ، على سبيل المثال ، إذا كرر الطفل دائماً( الأطفال الآخرون لن يحبوني ) فإنه يزرع في نفسه الشك في ذاته . يجدر بك إذن أن تساعدي طفلك على الحد من مساحة الشك الذاتي ، الموجودة في داخله ، وذلك بمنحه الدعم الإيجابي .
وأخيراً علينا أن نبذل ما في وسعنا لتخليصهم من هذه الصفة ، التي تصنف أحياناً في فئة الإعاقات الاجتماعية .
تحياتي القلبية للجميع ،،
أختكم / عشق المطر ،،
( يداوي هواه ثم يكتم سره ) ..