منذ فترة غير طويلة، كنت أسير في شارع اليرموك متجهة نحو اليسار أقصد منزل إحدى صديقاتي. ومن قبل أن أبلغ منعطف شارع دير ياسين بقليل، والوقت قبيل الظهيرة، فجأة تثاقلت قدماي، فتمهلت. أحسست بشيء خفي يشدني إلى الوراء ، يحول دوني ومتابعة المسير، فتلفت، وعلى غير وعي مني صحت، وتراجعت بضع خطوات، ثم توقفت ويدي على قلبي يعتصره الحزن والأسى، أتجه بناظري نحو اليسار، أنظر إلى الرصيف وفي عيني ألم ودموع، وقد اتقدت في خاطري ذكرى مأساة أليمة موجعة كان ذلك منذ عدد من السنين، وكان ذاك اليوم يوم ثلاثاء، يوماً لن أنساه ما حييت. كنت أعبر شارع اليرموك متجهة نحو اليسار، وفي ذاك المكان نفسه، وعند تلك النقطة بالذات توقفت فجأة والتفت.
لقد استوقفتني من غير نداء، ومن غير إشارة حتى ولا إيماء. كانت إمرأة تلك التي استوقفتني. امرأة تتكور على الرصيف، تستند إلى جدار ولكن رأسها كان مرفوعاً، ونظراتها كانت متجهة نحوي.
اقتربت منها قليلاً، أنظر إليها أتأملها، فسمّرت قدماي، وجمدت مكاني. أردت أن أصرخ، أردت أن أناديها لولا أن علقت لساني الدهشة وانتابني الذهول، وفي لحظات تمالكت نفسي وقلت:
- زينب، زينب، يا صديقتي الغالية، ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟ وما الذي أودى بك إلى هذه الحال؟
ولكن زينب لم تجب، وكأن ندائي لم يكن يعنيها بشيء، فابتعدت قليلاً أسائل نفسي، أتراها نسيتني، أم أنا مخطئة وقد خانني النظر؟ هل يمكن أن تكون كومة الحطام هذه هي صديقتي الحميمة الثائرة زينب؟ اقتربت منها ثانية أمعن النظر فيها، فأيقنت أنها هي بعينها لا شك في ذلك . صحيح أن الأقدار باعدت بيننا، وحالت دوننا قسوة الزمن، إلا أنها زينب لا يمكن أن أخطئها، على الرغم من آثار الحروق البليغة التي شوّهت وجهها كله وغيرت معالمه وحرمتها جماله.
لقد تركتها هناك في الوطن الحبيب، ساعة الحزن الكبير، حيث كان الوداع المرّ، صافحتها وصافحتني على عهد قطعناه ، ألا نكف عن الكفاح من أجل فلسطين المفداة حتى الرمق الأخير. وكان الفراق الطويل... فهل يمكنها أن تنساني، أم أنها تتجاهلني؟ رأيتها تتململ في مكانها، فأعدت النداء حرّكت زينب شفتيها ببطء، فعادوني الأمل، ولكنها على غير رغبة منها سألتني:
- هل تقصدينني بندائك يا هذه؟
تراجعت خطوة، وقد صعقني سؤالها, فقلت:
- تقولين يا هذه! سامحك الله ، أنسيت صديقتك يا زينب؟
تحركت شفتاها من جديد، كأنها تريد أن تقول شيئاً، فأنصت، ولكنها لم تفعل، فقلت:
- أرجوك، حاولي أن تعودي إلى الوراء يا زينب، علك تتذكرين، عودي إلى سنين مضت، إلى المكان الغالي، عودي إلى بدء المأساة، إلى أولى المجازر، إلى دير ياسين بلدتك. عودي إلى الدماء، إلى الأشلاء، إلى الرعب القاتل، إلى الفزع الرهيب، إلى .... وإلى... وإلى....
مشى في عينيها ألم مفزع، فتراجعت، وأنا ألوم نفسي على ما فعلت. كان علي أن أترفق بما تبقى من زينب التي كانت في يوم من الأيام تتطلع نحو السحاب.
نظرت زينب إليّ والدمع يترقرق في عينيها وقالت:
- أما مللت الوقوف هنا أيتها السيده؟ إنك واهمة، فأنا لست زينب التي تتحدثين عنها. أرجوك، اتركيني وشأني.
وأخيراً كان عليّ أن أنصرف احتراماً لرغبتها، لولا ذاك الشعور القوي الذي كان يشدني إليها. وعزمت على أن أساعدها بطريقة ما، على الرغم من رفضها لظهوري في حياتها من جديد. ترفض أن أراها على هذه الحال تجلس على الرصيف لا حول لها ولا قوة، وهي الثائرة المقدامة التي كانت تتقد حماساً، تقتحم الموت دون خوف أو وجل، مع الثوار تقاتل العدو بشجاعة منقطعة النظير. كيف فاتني ذلك؟ على أية حال ومهما كان إصرارها على إقصائي عنها شديداً، عليّ ألا أتركها هكذا ملقاة على جانب الطريق، فقلت:
- ألا يمكن أن أساعدك بشيء يا زينب.
افترت شفتاها عن ابتسامة شاحبه، جمعت فيها كل تعاسة العالم، ثم نظرت إلى ذاتها، وراحت تتمتم بكلمات غابت وسط ضجيج التلامذة وهم يخرجون من مدرسة قريبة، يتراكضون ويتدافعون. لقد كان وقت الانصراف والساعة تجاوزت الثانية عشرة بقليل، وهكذا لم يصل إلى سمعي شيء مما تمتمت به.
تجمع بعض التلامذة حولنا، ينظرون إليها بإشفاق، يقتربون منها، يلقون عليها التحية، فترد عليهم بهزة خفيفة من رأسها. رأيتها تبتسم لهم ابتسامة شاحبة حزينة، ولكني رأيتها تعود وترنو إلى البعيد والدمع يجول في عينيها.
اقترب مني أحدهم يحدثني قائلاً:
- هل تعرفين هذه المرأة أيتها السيدة؟ إننا منذ فترة طويلة ونحن نراها كل يوم في مثل هذا الوقت جالسة على هذه الحال، وفي هذا المكان بالذات، كأنها تنتظر خروجنا من المدرسة، تنظر إلينا، تبتسم لنا ابتسامة حزينة، ثم تأخذ منديلاً من جيبها، وبصعوبة ترفعه إلى عينيها تمسح به دموعها. ربما كانت تنتظر أن ترى من يخصها بيننا.
- ربما!
رأيتها تحاول مد يدها بما يشبه الإشارة، فاقترب منها أحد التلامذة وانحنى أمامها وهو يسألها بلطف:
- هل تريدين شيئاً يا خالة؟
نظرت إليه بحنان وهي تحاول أن تمد يدها أكثر، كي تصل إليه، فزاد انحناء حتى لامست كفها كتفه، وربتت عليه برفق. ثم تراخت يدها وهي تتنهد من أعماقها وراحت تبكي. فتراجع الصبي وجلاً، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، دون أن يدري ما الذي أبكى هذه المرأة المحطمة، ونظر إليّ متعجباً، فقلت:
- لا عليك يا صغيري، ربما تذكرت عزيزاً عليها كان في مثل سنك وفقدته. فاذهب الآن ورفاقك يا بني.
وأحنت زينب رأسها، فحسبت ذلك موافقة منها على قولي، وإذا برأسها يهوي إلى الأمام أكثر، وأنا أقفز على غير وعي مني أمسك بها وأصيح:
- سيارة، طبيب، بسرعة...
فأسرع رجل كان ماراً بإيقاف سيارة وأعانني على نقل زينب إليها.
جلست إلى جانبها أمسك بها وأنا لا أدري إذا كانت الحياة قد فارقتها، أم لا يزال لها من العمر بقية. مددت يدي أتلمّس يدها النحيلة، فلم أحس بغير البرودة التي سبقتني إلى تلك اليد التي لم يبق منها سوى العظم. فسحبت يدي على عجل خائفة أصيح بصوت لم أعهده من قبل:
- أسرع.. أسرع.... أسرع إلى الطبيب من فضلك، إلى أي طبيب، إلى أقرب طبيب.
وأخيراً كاد رأسي يرتطم بسقف السيارة وهي تتوقف فجأة. نظرت إلى زينب وأنا لا أدري ما الذي حدث. رأيتها تحرك رأسها، تفتح عينيها، تنظر إلي وتتمتم، ولم أفهم مما تمتمت شيئاً، ولكن قلبي اطمأن. وعاد الصمت من جديد، لولا أن صوت السائق قد اخترقه، يعلن وصولنا إلى أقرب مستوصف يعرفه. وفي لحظات كانت زينب على يديه يسير بها إلى المستوصف وأنا أتبعه. ثم تقتدمته لأفسح له الطريق بين المرضى في غرفة الانتظار والممرضة تصيح:
- بالدور يا ست.
ومن قبل أن أقول شيئاً، وقفت امرأة متوسطة السن، هزيلة الجسم، شاحبة اللون، كانت تجلس على مقعد قرب باب غرفة المعاينة، أشارت إليّ وهي تقول:
- هاتها إلى هنا ولتأخذ مكاني.
فقلت في نفسي، شكراً لله، لا يزال هناك أناس طيبون. تقدمت نحوها والرجل ورائي وزينب على يديه. والمرضى يفسحون لنا الطريق دون أي اعتراض. ولما وصلت إليها ورأيت عن كثب حالها، قلت:
- ولكنك أيضاً تبدين متعبة جداً.
- أنا يمكنني الانتظار أكثر من أمينة.
نظرت إليها بذهول، وأنا أردد في نفسي، أمينة... أمينة... يا للعجب، إذاً فهي ليست زينب كما اعتقدت، وإنما أمينة، ويبدو أن هذه المرأة تعرفها جيداً، وإلا لما أعطتها مكانها. على أية حال لا يمكن لاسم عابر أن يغير اعتقادي, ولذت بالصمت على مضض.
وضع السائق زينب على المقعد، ووقفت إلى جانبها أمسك بها خشية أن تقع، والقلق يجتاحني، والانتظار طال. والسائق لا يزال واقفاً يسأل إذا كنت بحاجة إلى خدمة أخرى. فأشرت إليه بالنفي وأنا أردد بعض كلمات الشكر.
لم تكن زينب تئن أو تتأوه، ربما لم تكن تقوى على ذلك، انحنيت قليلاً أنظر إلى وجهها الشاحب، كانت شفتاها مطبقتين، وقد أغمضت عينيها كأنها غارقة في سبات عميق. شعرت بكثير من الخوف، ورحت أرجوها أن تتكلم. كادت زينب أن تكون رحيمة بي، إذ حركت جفنيها قليلاً ، تحاول فتح عينيها، ولكن سرعان ما فتح باب غرفة المعاينة، وخرجة منه امرأة مريضة متوسطة السن، يمسك بيدها صبي لم يبلغ العاشرة بعد يساعدها وعلى شفتيه ابتسامة لطيفة مطمئنة. فأيقنت أن دور زينب قد حان، وستدعونا الممرضة في الحال. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، ومر وقت غير قصير دون أن تفعل، فالتفت أبحث عن المرأة التي أخلت عن مكانها لزينب، ولم أعد أحس بوجودها إلى جانبي، أو أسمع لها صوتاً. غير أني لم أكن بحاجة إلى البحث، رأيتها لا تزال واقفة غير بعيدة عني، تنظر إلى زينب وفي عينيها حزن عميق، وحين رأتني أنظر إليها تقدمت نحوي قليلاً وقالت:
- مسكينة أمينة، فهي على هذه الحال منذ مدة، وترفض المجيء إلى الطبيب.
فقلت في نفسي:
- يا لهذه المرأة، من أين جاءت بهذا الاسم تطلقه على زينب؟
أردت أن أصحح لها ما وقعت فيه من خطأ، ولكن الكلمات لم تخرج من بين شفتي سوى تأتأة لا معنى لها. كنت شاردة أفكر في زينب، أغمض عيني أتخيلها في ماضيها في شجاعتها في تطلعاتها، وفي خيبة أملها أيضاً.
وراح صوت يصرخ في أذنيّ، كأني أسمعه في تلك اللحظة، صوت آت من البعيد، من الزمن البعيد، من خلال لعلعة الرصاص وبريق الحرب. من أعماق المذبحة المروعة من الأنين الخافت، من الرعب المميت. كان ذاك الصوت، صوت زينب، كان صراخها عندما أتتني في ذاك اليوم الأسود، أتتني والهلع يتدفق من عينيها، زينب التي لم تكن تعرف الخوف، كانت ترتجف ، ولكن صدرها كان مشحوناً بالغضب والحقد والنقمة. فدماء أبيها قد اختلطت في بحر من الدماء، وأشلاء أخيها قد تناثرت بين الأشلاء، وجثة أمها التي تشوهت قد غاصت في أعماق بئر دير ياسين مع الجثث الممزقة، بين الرؤوس التي فارقتها الأجساد، بين الأعضاء المبتورة التي تاهت في زحمة تلك الأكداس. كان ذاك الصوت، صوت زينب وهي تتألم، ولكنها كانت أيضاً تهدد وتتوعد الصهاينة المجرمين. صوت زينب، هذه المرأة الحطام التي أمسك بها الآن خشية أن تقع، هي بعينها لا يمكن أن أخطئها مهما جرى لها، ومهما غيّر العذاب حالها. أفقت من تأملاتي على لمسة من المرأة التي لا تزال واقفة بجانبي لا تبرح مكانها.
تنظر إلي بكثير من الدهشة. فقلت أستوضحها.
- هل تعرفينها جيداً؟
- أجل، حق المعرفة.