لي صديق يعمل عملاً إدارياً يحتاج فيه لتوقيع عدد هائل من الأوراق كل يوم ، وكنت ألاحظ توقيعه فأجده يتبادل التوقيع بشكلين مختلفين بين الفترة والأخرى ، ولما سألت عن سر ذلك وعن أن أحد التوقيعين لا يمت لحروف اسمه بصلة ، فأجابني بخجل وعيناه تفضلان عدم لقاء عينيَّ : إنني في أحيان كثيرة أشتاق لزوجتي وأستشعر فقدها وأتلمس لقياها ، فسألته أمِن طول غياب؟ فأجابني بالنفي وقد زاد إطراقاً : والله إني لأفتقدها مع أنها تكون قد ودعتني لعملي في الصباح بعد إفطار شهي وشاي صبّوح وحوار دافيء ، وأنا أعبِّر عن ذلك الفيض من المشاعر المنثالة بأن أوقع باسمها أو أجري مكالمة هاتفية معها أبثها تحية سريعة أو كلمة حب خاطفة وسط نهار ازدحم بأعباء العمل
وتعجبت لشدة إنسانيته وسمو عاطفته وتوهجها خصوصاً إذا علمت أن هذا الصديق تعدى الستين من عمره ومضى على زواجه أكثر من 35 عاماً ، كما تعجبت لخجله وحرصه البالغ على إخفاء هذه الحقائق ؛ ولأنه صديقي وأعرفه جيداً فلم أفسر خجله هذا بأن هذه خصوصية يريد إخفاءها ، ولكنني فسرته بأنه الخجل من إظهار هذا الحب ؛ لذا فقد علقت على هذا الموقف قائلاً : إن هذه المشاعر لهي مشاعر مشرفة تستحق أن تعلن وتبرز ويشار إليها ويشاد بها ، لا أن تُكْبَت وتُخْفى وتُسْجن في أقفاص الصدور
جرَّني ذلك للتفكير في طبيعة عقلياتنا المترددة أمام هذا الأمر ، وهو أن الإفصاح عن الحب ضعف ، وأن من الكبرياء والكرامة تعمُّد عدم ذكر هذه العاطفة للطرف الآخر ، وإذا فهمنا دوافع الكتمان بين المحبين الذين ليس ثمة رابط شرعي بينهما فإننا لا نفهم أن يظل الزوجان يدوران في فلك الكتمان بدعوى الكبرياء والحفاظ على الصورة السامية لكل طرف في عين الآخر لأنه من العيب أن يضبط أحدهما وهو ينفس عما يعتمل داخله من رومانسية رقيقة أو عواطف رقراقة صافية ، وكم من حب ضاع بين مفاهيم السمو الخاطئة وبين معاني الكبرياء والكرامة ، وبين سوء حصر العلاقة بين الزوجين إلى علاقة الفراش فقط ، فتكون النتيجة أن يبحث أحد الطرفين أو كلاهما لمن يشبع فيهما الإحتياجات الأخرى كالحنان الضائع والرومانسية المفتقدة من كلمات ناعمة وشموع مضاءة ونظرات مودة ورحمة
وإذا كانت هذه ثقافة مجتمعنا العربي تجاه هذه القضية فإن ثقافتنا الإسلامية لا علاقة لها بهذه الفبركات التربوية ، وإنما بها جوانب أخرى نستعرضها
الله سبحانه وتعالى صرَّح بحبه لبعض فئات البشر كالمؤمنين والمتوكلين والتوابين والمتطهرين ، كما صرَّح بحبه وتزكيته لبعض الأفعال والصفات الإنسانية : (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) ، وإذا كان في أمر التصريح بالحب ضعف أو نحوه لما صح ذلك في حق الله سبحانه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، والقرآن يصف أرقى علاقة قلبية في الكون وهي علاقة الخالق القادر بالمخلوق الطائع بقوله سبحانه : يحبُّهُم ويحبُّونَه
وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي البيان العملي للإسلام تشهد بعكس ما توارثناه في مجتمعاتنا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بنشر هذا الحب ونشر ثقافة الإفصاح عن الحب حينما أخبره أحد صحابته أنه يحب فلاناً ، فسأله : أأخبرته؟ قال : لا ، قال : إذن فأخبره
ولا شك أن الإفصاح عن الحب يعمق الروابط بين القلوب ، كما يؤكد على المشاعر التي قد لا يشعر بها البعض أو لا يُقدّر حجمها إلا إذا أظهرها اللسان وعبَّر عنها ، والأمر لدى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليس وسيلته الوحيدة اللسان ، ولكن الهدية وسيلة ، (تهادوا تحابوا) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم) والصحابة رضي الله عنهم في شوق يسألونه بلى يا رسول الله ، قال : (أفشوا السلام بينكم) ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملته لأزواجه نموذجاً فريداً .. فهو يقرأ القرآن في حجر عائشة ويغتسلا سوياً في إناء واحد ، ويتسابقان خلف القافلة حيث لا يراهما أحد .. ويدللها ويناديها : يا عائش .. كيف نصف هذه اللحظات؟ إنها رومانسية فائقة ، لحظات من الحب النادر لم تمنعه أعباء الدعوة ولا تبعات الجهاد، ولا مكر الأعداء ولا الوقوف الدائم بين يدي الله من أن يكون عاطفياً يتفنن صلى الله عليه وسلم في إظهار مشاعره في كل لفتة أو همسة ، لم يخشَ أن يوصف بالإقبال على زوجاته أو إظهار حبه لهن ! لسبب واضح أنه ليس عيباً بل درساً يُعَلَّم
منقووووول من الايميل