ليست هناك مسؤوليّة في هذا العالم أعظم من أن تكون فرداً من أفراد الجماعة الإنسانيّة .
لذلك فإنه ليس من المستغرب أننا أحياناً ندهش ونضيق ونختنق ونتوتر ,
لأننا بكل بساطة لم نعدّ أنفسنا كما يجب لعالمنا المتغير الذي نعيش فيه .
لقد وضعنا أنفسنا جميعاً داخل قوالب تتصلّب مع مرور الأيام , وشكّلنا أنفسنا بأسلوب الشّدة العسكريّة , كدنا ننسى كيف نضحك , ومذاق الإبتسامة الحقيقية ,تعلّمنا أن الرجل المحترم يجب أن لا يضحك على سجيته بل تكفيه الإبتسامه فقط , وأن الفتاة الوقورة لا يجب أن تعبّر عن عاطفتها , بل يكفيها الإحتجاج .
لقد منعنا أنفسنا من حق التعبير عن حالتها وأغرقناها في الرسميّات والمجاملات , حتى أصبحنا كُتلاً من اللحوم والدماء بلا هويّة , نختلف في مظاهرنا ونتشابه في طبيعتنا التي خلت من طبيعتها .
سئمنا من تلك الوجوه التي لا تظهر أي مشاعر أحاسيس .
إننا على الدوام نتحرك بعيداً عن أنفسنا وبعيداً عن الآخرين , نعيش في خوفٍ دائم وقلقٍ مستمر , خوفٌ ملأ قلوبنا , خوفٌ من إظهار المشاعر , وخوفٌ من التأثر ... إنه لأمر غريب !!
إن أبسط الوسائل لإثبات وجودك في هذا الكون أن تكون كما أنت , أن تكون بما تشعر , وأصعب الأمور وأسوأها أن تصبح كما يريدك الآخرون أن تكون .
إنه ليس من الواجب أن تكون مثالياً في كل شيء , لأنك لن تستطيع عمل ذلك , ولكن قمّة مثاليتك تكمن في كونك كما أنت .
إننا غالباً مانترك بعض الأعمال خشية ألا تأتي في مستوى الكمال التام , وذلك بسبب التصنّع الزائد في كل شيء .
مللنا من الروتين , علينا أن نتجه للتغيير في كل شيء للأفضل .
أنظر حولك ... الطريق للعمل كما هو .. والسيارة كما هي ...والمكتب كما هو ... والمنزل , والغرفة , والأدوات , و ... و..... إلخ .
كل شيء كما هو من سنين , ملل في ملل , إنتحار معنوي , وتحرر من الصفات الإنسانيّة , أصبحنا أشبه بالإنسان الآلي ( الروبوط ) .
لماذا لا نبتكر طريقة جديدة لحياتنا ؟؟؟
إصنع شيئاً يدل على وجودك , وأنك لا تزال تؤثر في الأرض , اصنع إناءاً خزفياً أو أرسم لوحة وعلّقها على الحائط , أو ازرع نبته وضعها في الحوض الزراعي , ثم قل : ( هذا امتدادي , وهذا تأثيري ) .
هناك نظرية تقول : ( أنا بالفعل موجود , لأني صنعت شيئاً , لذا فأنا هنا ) .
ومن المؤسف جداً أن يعيش الفرد منّا عقوداً طويلة من حياته , ويذهب بلا تأثير واضح .
إن المميزون من البشر هم الذين كانوا على اسلوبهم البسيط , فأثروا في العالم , لذلك هم مميزون , و المميز هو الشخص الذي يملك القدرة على صناعة مصيره .
ولعلي أذكر لكم قصة جميلة , أوردها الدكتور / ليو فيليس بوسكاجليا في كتابه ( الحب - دراسة لظاهرة إنسانسة ) .
يروي الدكتور ليو فيليس قصته عندما كان هو وبعض طلابه في رحلة إلى شاطيء البحر , عندما إلتقط أحد الطلاب كائناً بحرياً جانحاً من نوع ( نجمة البحر ) , أمسكها بعناية شديدة .. ثم وضعها في الماء قائلاً : ( إنها جافّة ساكنة , ولعلها تعود إلى الحياة إذا ابتلّت )
ثم قال لأستاذه : ( هل تعلم يادكتور ؟! .. ربما كان هذا هو سرّ عودتنا إلى الوعي وإلى الحياة , إننا نجف بين الحين والآخر , فتفسد أمزجتنا , وكل الذي نحتاجه حينئذٍ , القليل من البلل لننتعش ونعود إلى طبيعتنا من جديد ) .
وختاماً ... أقول إن أشقّ الأمور وأثقلها أن تكون على خلاف طبعك , فإذا ضللت عن ذاتك مما أنت عليه , غرقت في التيه والضياع .
أقترب كثيراً من ذاتك ,, فأنت وحدك من يستطيع أن يحمي نفسك .. وكيانك .. وبهجة وجودك .
وتقبلوا خالص شكري وتقديري