![]() |
| |||||||
| الانتساب | تعليمات س - ج | إشارة الأقسام مقروءة |
| مكتبة قلبي تحميل كتب ادب , قصص, روايات, تحميل كتب فلسفة, تحميل كتب اسلامية, كتب ادارة وتطوير الذات, تحميل كتب برمجه, كتب كمبيوتر, يمنع طرح المواضيع المنقولة |
![]() | ![]() | ![]() |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة العرض |
| | #1 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| محمد الماغوط: السجن جعلني شاعراً والحذاء العسكـري علمنـي الكثير. العالمية لا تعنيني وكنت أتمنى أن أظل فتى أمياً يرعى الغنم آخِرُ مُقَابَلةٍ صَحَفِيَّةٍ أُجْرِيَتْ مَعَهُ ، مِنْ طَرَفِ ( عبده وازن ) التقيت الشاعر محمد الماغوط في 9 آذار (مارس) في دبي خلال أيام الاحتفال الذي أحيته مؤسسة سلطان العويس لمنح جوائزها للفائزين بها وكان الماغوط واحداً منهم. وعندما ورد نبأ رحيله بعد ظهر أمس كنت أضع اللمسات الأخيرة على الحوار الذي أجريته معه في غرفته في الفندق. لعلها المصادفة القدرية تجعل هذا الحوار آخر حوار يدلي به هذا الشاعر الكبير قبل ثلاثة أسابيع من رحيله. هنا الحوار كما دونته مع المقدمة المفترضة له: حمل محمد الماغوط عالمه الخاص الى غرفته في الفندق الذي حلّ فيه ثلاثة أيام، ملبياً دعوة مؤسسة العويس لتسلّم الجائزة التي فاز بها. عالمه نفسه الذي اختلقه في بيته الدمشقي انتقل الى غرفة لا يحتاج فيها الى أن يمشي أكثر من بضع خطوات، هو الذي بات مشيه صعباً، لا سيما خارج الغرفة أو البيت. في ردهة الفندق كان الماغوط يتنقل على كرسيّ متحرّك يقوده طبيبه الشاب محمد بدّور وهو ابن أخته. إنّها اللحظات القليلة التي ظهر فيها خارج الغرفة، ناهيك بحفلة التكريم، حين جلس على المنصّة بعدما سار متوكئاً على عصاه. أصبح الكرسيّ المتحرك والعصا الوسيلتين الوحيدتين اللتين تساعدانه على استعادة العالم في الخارج، عندما يقرّر أن يخرج وهو نادراً ما يخرج. لكنّ محمد الماغوط رجل جبّار حقاً. روحه ما زالت في أوج يقظتها، وما برح هو على سخريته وغضبه واحتجاجه وتمرّده وطرافته... جسده الذي خانه وقدماه الثقيلتـــان والقامـة السمينة لم تحل دون مواصلته الحياة التي يحبّها، بحزنها وبقايا رغباتها، بفرحها القليل والذكريــات، الذكريات التي يستعيدها في عزلته الطويلة المتواصلـة ليل نهار. وقد يقطعهــا بضعة أصدقــاء قليليــن يطرقون الباب. في الثانية والسبعين، في وجهه ملامح طفولة عتيقة تمتزج بشآبيب العمر، وفي عينيه تلتمع بروق الحياة التي يصر عليها، على رغم الكآبة التي تحيط به. يصرّ شاعر «حزن في ضوء القمر» على الكتابة، أياً تكن. يدبّج المقالات بيد ترتجف قليلاًَ ويكتب النصوص والقصائد من غير أن يفرّق بينها. وهو سيظل يكتب حتى آخر نفس كما يقول، حتى وان كرّر نفسه. فالكتابة هي نافذته الوحيدة على الحياة وهي حافزه الدائم على الحرية والرفض والاحتجاج وسائر «الثوابت» التي يؤمن بها. لا يخاف الموت بتاتاً وقد عاشه عن كثب. فالموت في نظره هو الانقطاع عن الكتابة. في غرفته في الفندق التقيت محمد الماغوط. الانطباع الأول الذي يساور زائره هو أن الشاعر تغيّر ولكن من دون أن يتغيّر مزاجه الذي طالما عرف به، ولا حماسته ولا احساسه العبثي بالزمن والتاريخ... الكأس على مقربة من يده، والسيكارة لا تغادر أصابعه، وعلى الطاولة الصغيرة المجاورة للسرير، بضعة صحون لا تخلو من طعام خفيف. هذا هو «طقس» محمد الماغوط الذي لا يتخلى عنه ولو خرج من بيته. بحّة صوته لا تزال هي نفسها، والكلام المختصر والمختصر جداً في أحيان، ما زال طريقته في التعبير. يضجر قليلاً، ثم يستعيد حماسته، مستعيناً بذاكرته المتوقّدة. هذا الشاعر الذي كتب أجمل قصائد النثر بالصدفة، والذي أسس مدرسة شعرية من غير أن يدري، هو شاعر المستقبل بمقدار ما هو شاعر الواقع والحاضر. جاء الشعر من عيشه اياه، من الحياة نفسها، من مرارة العزلة، من الخوف الذي اكتشفه باكراً في السجن، من الشارع الذي تعلّم فيه الكثير. كانت موهبته الكبيرة هي الأساس الذي قامت عليه شعريته، اضافة الى ثقافته المتواضعة، كما يعترف. وموهبة الماغوط تتسم بطابع وحشي وغريزي، فهو يتنفس الشعر تنفّساً من غير أن يسعى الى تقديمه والتنظير له. شاعر كان صوته من الأصوات الأولى التي خرجت على الشعر التقليدي، في أشكاله وقضاياه. شاعر كان همّه أن يحتج ويعترض، مرسخاً قدميه في الأرض، ومصغياً الى ايقاع الحياة اليومية والعابرة. الا أن شعره لم يخلُ لحظة من الحنين الغامض والبعد المأسوّي والهمّ الجمالي واللغوي. وقد استطاع أن يجذب شعراء كثراً أعقبوه، سواء تأثروا به وقلّدوه أم اكتفوا بمقاربة شعريته الكبيرة. ودواوينه، لا سيما الثلاثة الأول، كانت لها رهبتها وما زالت، رهبة الشعر الطالع من عمق التجربة الحية. ما أصعب أن تحاور محمد الماغوط. يعترف للفور أنه ملّ الحوارات الصحافية، القليلة أصلاً. ويعتبر أن ما قاله بات كافياً وأن لا جديد لديه. لكنه ما ان يبدأ في الاجابة عن الأسئلة حتى يمعن في قول جمل بديعة وفيها من الجديد ما فيها من الطريف والساخر والمأسويّ. أجوبته مختصره كعادته، فهو لا يحبّ الاطالة. يقطف الكلام قطفاً وعليك أنت الذي تحاوره أن تلتقطها لئلا تضيع في المجهول. |
| | |
| | #2 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| < ما زلت تكره الحوار الصحافي و «السين والجيم»! كيف يمكننا أن نحاور محمد الماغوط برأيك؟ - بالعاطفة، السؤال والجواب ما زالا يذكرانني بالأمن ورجاله. ويذكرانني أيضاً بالمدرسة والأساتذة. وأنا أكره المدرسة منذ مراهقتي وقد طفشت منها باكراً. > جائزة العويس التي حصلت عليها، ماذا تعني لك؟ ألا تعتقد أنّها تأخرت في الوصول اليك؟ - فرحت بها. ولا يهمّني إن كانت تأخّرت في الوصول اليّ. فرحت بها كما يفرح الصبي بالطابة. > وماذا ستفعل بالمئة وعشرين ألف دولار؟ - سأصرف الكثير منها على الأدوية. > وأمورك الصغيرة أو ملذاتك الصغيرة! - لم يبق لديّ أي ملذّات. السيكارة والكأس فقط، وربما الانتظار. هناك أيضاً الأصدقاء القلّة الذين أحبّهم ويحبونني. أعترف لك بأنني مرتاح هكذا ولم يبق لديّ طموح الى أي شيء. حتى جائزة نوبل لا أطمح اليها. وأعتقد أن جائزة العويس أصدق من نوبل في مقوّماتها وأهدافها. > ما قصة مسرحية «جلوس قيام» التي عرضت في دمشق والتي قيل انك هاجمت فيها بيروت؟ - هم أضافوا اليها. أنا لم أكتب كلّ النص. حتى إنني لم أشاهد المسرحية. أنا أعبد بيروت فكيف أهاجمها. كنت في المستشفى عندما أضافوا الى النص. أنا لا أهاجم بيروت مهما حصل. > تتحدّث دوماً عن شاعر يدعى سليمان عوّاد وتعتبره الوحيد الذي أثر بك! ما قصّة هذا الشاعر شبه المجهول؟ - سليمان عواد شاعر سوري درس الفرنسية، كنت أحبّه كثيراً كشخص وأحب بعض أشعاره، وكان صديقي. لكنّه لم يطوّر نفسه. توّفي فقيراً وما زلت أحبّه حتى الآن وأتحدّث عنه بإعجاب. > عندما شاركت في «خميس» مجلّة «شعر» للمرة الأولى في بيروت، شبهك بعض الحاضرين بالشاعر الفرنسي رامبو، بعدما استمعوا الى قصائدك بصوت أدونيس! ما رأيك بهذا التشبيه؟ - لم يعنِ لي هذا التشبيه شيئاً حينذاك. لم أكن أعرف رامبو ولم أكن قرأت له أيّ قصيدة. وأذكر أن شاعراً وناقداً أوسترالياً قال: اذا اخترنا أربعة أو خمسة شعراء كبار في العالم فالماغوط سيكون واحداً منهم. هذا الاوسترالي قرأني بالانكليزية طبعاً. وهناك شاعر اوسترالي أيضاً يدعى جان عصفور، عربي الأصل، يعتبر أن تعريفي بالشعر هو الأجمل. ويقصد الجملة التي وردت في قصيدة لي وتقول: «سئمتك أيها الشعر. أيتها الجيفة الخالدة». > ماذا تشعر عندما ترى شعرك مترجماً الى اللغات الأجنبية؟ - لا يعني لي شيئاً. الشهرة نفسها لا تعنيني أيضاً. وأنا لا أعرف أي لغة أجنبية. > لكن الشعراء يسعون دوماً الى العالمية من خلال الترجمة! - العالمية لا تعنيني. انها تعني أدونيس مثلاً. ثم أقول إنّ أي لحام يستطيع أن يصبح عالمياً: ليذبح امرأته، هذه طريقة اقترحها سبيلاً الى العالمية. > أين أصبحت علاقتك بأدونيس؟ - تصالحنا أخيراً. اتصل بي عندما كنت في المستشفى. وقال لي: إشرب شعراً واسقنا شعراً. معظم خلافاتي مع أدونيس سببها أنا. رياض الريس كما يعلم الجميع لا يحب أدونيس. ومرّة أخذوا مني في جريدة «المنار»، التي كان يصدرها رياض، حديثاً هاجمت فيه أدونيس بشراسة وكنت ثملاً. > وخالدة السعيد، شقيقة زوجتك؟ - انني أحبها كثيراً. قالت لي مرة: أنت مرصود والعين عليك وهناك أناس يحاولون أن ينالوا منك. وأضافت: أنت أكبر شاعر عربي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. > أشعر بأن الكراهية لا تغادرك؟ - الكراهية أصعب من المحبّة. هذه أمثولتي الشخصية. > هل تخفف الكراهية والسخرية من سوداويتك التي تُعرف بها؟ - لا. السوداوية لا يخففها إلا حضور الحب والمرأة. الاحساس بالحرية كذلك. محبّة الناس لي. عندما كنت أمرّ في الشارع بلباسي العادي كان الناس ينظرون إليّ بإعجاب ومحبة. أياً كان كلامي يسمعني الناس بمحبة. حتى اذا شاهدوني وأنا آكل يُعجبون بي. مرّة أوقفتني امرأة محجبة في الشارع وسألتني عن يدي التي أكتب بها وقبّلتها. مرّة ركع الشاعر طلال حيدر أمامي وراح يمدحني. وابنة شقيقة زوجتي رامة فضة رمت ديواناً لأدونيس مرة وقالت: الماغوط هو إله الشعر. وقال يوسف الخال: هبط الماغوط علينا كإله اغريقي. |
| | |
| | #3 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| > يبدو أنك تحب المديح! - لا أحتمل المديح ولا الاهانة. الطفولة البائسة > ماذا تذكر من طفولتك البائسة في قرية السلمية؟ - ولدت في السلمية وعشت فيها مراهقتي. كان حلمي أن أتزوّج من ابنة عمّي أو خالي وأنجب الأطفال. هذا كان حلمي أيام الفتوّة. لكن قدري كان أن أتزوّج سنية. > ماذا تذكر من ملامح أمك وأبيك؟ - أمي كانت قوية مثل الرجال وربّتا هي بنفسها. وأذكر الألم الذي كانت تعانيه في ركبتها التي لم تكن تستطيع أن تطويها، وكانت أصيبت في ركبتها وهي شابة. أمي أثرت بي كثيراً. كانت جميلة وساحرة. أما أبي فكان من أبسط الرجال. رجل مسالم يعمل في الحصاد. وظلّ فقيراً طوال حياته. عاش «مديوناً» ومات «مديوناً». كنا نأكل البطاطا دوماً. نأتي بها من الحقل. أذكر وجه أمي الجميل، أذكر حنانها وقسوتها في الوقت نفسه. زارتني مرة في دمشق. كانت في الثمانين وكانت طلّها تحفظ بعضاً من جمالها القديم. وعندما سجنت في «المزّة» للمرة الأولى، ركبت أمي البوسطة وجاءت تزورني وتراني وراء القضبان. > ماذا عن دراستك أنت الذي يكره المدارس؟ - لعب القدر لعبته، وتحوّلت من قروي فقير الى تلميذ في المدرسة الزراعية في الغوطة. وكان من تلاميذها أديب الشيشكلي وأنور السادات وصدام حسين. تصوّر. هؤلاء درسوا فيها. > هل درست علم الزراعة حقاً؟ - درست القليل. وأذكر كان لدينا أستاذ فلسطيني اسمه رفّول خوّام وكان قاسياً جداً. مرة أعطاني علامة 19/20 من دون أن يسألني أي سؤال. ربما تقديراً لموهبتـي الشخصية. كنت أحبّ ميله الى الصمت. وربما منه تعلمت كيف أصمت. أما رفاقي في الصف فجنّوا حسداً. > لكنك لم تكمل الدراسة! - هربت من المدرسة سيراً على قدميّ، ولم أكمل الدراسة منذ ذاك الحين. > وما قصة السجن الذي دخلته للمرة الأولى؟ - دخلت السجن عام 1955لأنني انتسبت الى الحزب القومي؟ > هل كنت حزبياً؟ - لا، أنا لا أحبّ الأحزاب. أنا شخص منفرد، أميل دوماً الى الوحدة. > وماذا عن الحزب القومي؟ - دخلت الحزب القومي من دون أن أقرأ مبادئه. كنت فتى فقيراً وكانت لديّ حاجة الى أن انضمّ الى جماعة ما. وكانت قريتي السلمية تضج بفكرة الحزبية، وكان هناك حزبان: الحزب القومي والحزب البعثي. وقد اخترت القومي لأنه كان قريباً من المنزل، وفي المركز كانت هناك صوبيا (مدفأة)، أي أن الجوّ كان دافئاً، بينما المركز البعثي بلا صوبيا. لم أقرأ مبادئ الحزب، وفي الاجتماعات كنت أنعس وأتثاءب. وأذكر انهم عندما كانوا يتحدثون عن المناقبية الحزبية كنت أفكر بالمخدّة. عندما كان ينتهي البرد كنت أهرب من الاجتماعات. ومرّة كلفوني بجمع التبرّعات للحزب فجمعت ما يكفي لشراء بنطلون وفررت. > أي أنك لم تكن ايديولوجيا؟ - أبداً. كنت فتى يافعاً. لكنني سُجنت بتهمة الانتماء الى هذا الحزب. لكن هذا لا يعني أنني لم تكن لديّ حماسة ضد الظلم والفقر والعار القومي. إلا أنّ السياسة لم تعنِ لي الكثير وكذلك الأحزاب. أنا شخص فرديّ جداً. لكنني أعترف أنني كنت أحب انطون سعادة وأحترمه. وقد سحقني اعدامه بقوّة. > هل كتبت عنه؟ - لم أكتب عن انطون سعادة مع أن اعدامه سحقني. اعترف أنني لم أقرأ كتبه. انني ضدّ الإعدام. إعدام تروتسكي آلمني كثيراً أيضاً. > هل انحزت الى تروتسكي مثل بعض المناضلين العرب؟ - كنت أحب تروتسكي لكنّني لم أحب الشيوعية. > نعود الى السجن! كم مرة سجنت؟ - مرتين، وأثر السجن لم يغادرني يوماً. صحيح انني لم أمكث في السجن سنوات، لكن الأشهر التي أمضيتها كانت كافية لتغيّر حياتي كلها. في العام 1955 سجنت نحو تسعة أشهر، وفي العام 1961 ثلاثة أشهر. وكان الشهر بطول سنة وأكثر. > هل غيّر السجن نظرتك الى الحياة؟ - كثيراً. كنت في العشرين من عمري، وكنت أظن أن السجن هو للمجرمين والقتلة. وعندما سجنت في المرة الأولى شعرت بأن شيئاً جوهرياً تحطّم في داخلي. كلّ ما كتبته وما أكتبه هو أشبه بعملية ترميم لتلك التجربة المرّة والقاسية. وما زلت أرمم آثار هذه التجربة حتى اليوم. ولا أبالغ ان قلت إن أمل الحياة سقط في السجن. وكذلك الجمال والفرح. كان هناك الكثير من الرعب. قسوة ورعب. كنت ضعيفاً وغير قادر على استيعاب ما يحصل ولا على تحمّل الاذلال والظلم. حذاء الشرطي لا أنساه. كان الشرطي يقطر عرقاً وهو يمارس فعل التعذيب. والفادح في الأمر أنني حتى الآن لم أعرف ما هي التهمة التي قادتني الى السجن، أنا الفتى الفلاح والقروي البسيط، الذي لا يعرف شيئاً عن العالم. وانتمائي الى الحزب القومي كان عابراً ولم أكن حزبياً. > ماذا تعلّمت في السجن؟ - السجن مدرسة تعلّمت فيها الكثير. السوط علّمني. الحذاء العسكري علّمني. لقد أثر السجن فيّ كثيراً في مطلع شبابي. فيه اكتشفت اللون القاتم للحياة. واعتقد أنّ شيئاً في داخلي انكسر ويصعب عليّ تجبيره حتى الآن. في السجن تعرّفت على الخوف وصرت أعرفه. وما زال الخوف يرافقني. الأمان فقدته في السجن وصرت أشعر بأنني أعيش قلقاً بلا أمان أو طمأنينة. ولا أخفيك أنني كنت أبكي في السجن وأصرخ لا سيما خلال التحقيق. > قلت مرة أنك تعرّفت الى أدونيس في سجن المزّة! - صحيح. لكنه كان في زنزانة أخرى. كان مهجعه قبالة مهجعي. > لكن أدونيس استطاع أن يتخطّى هذه التجربة؟ - صحيح. أدونيس له تركيبته الخاصة. ولا أعرف كيف تخطى هذا الأمر. > هل استطعت أن تكتب في السجن؟ - أجل، كتبت بعض المذكرات واستطعت أن أهرّبها عندما خرجت، بين ملابسي الداخلية. > قصيدة «القتل» كتبتها في السجن أيضاً! - لم أكن أعرف أنها ستكون قصيدة. نشرتها مثلما كتبتها ولقيت صدى طيّباً. > كيف تقرأ هذه القصيدة اليوم؟ - بألم. > لكنها كانت اطلالتك الشعرية الأولى! - صحيح. السجن جعلني شاعراً. بل جعلني أيضاً اكتشف معنى الحياة والمرأة والحرية والسماء... |
| | |
| | #4 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| > ألم تكتب قبل دخولك السجن قصائد أو نصوصاً؟ - كان لديّ بعض المحاولات. محاولات البدايات. لكن قصيدة «القتل» كانت الباب الذي دخلت منه الى عالم الشعر. > كيف كنت تقضي الوقت خلف القضبان؟ - كنت أدخّن وأحلم على رغم الخوف والقلق. وكنت أقرأ. قرأت كثيراً. > كيف كنت تحصل على الكتب؟ - صديقي العزيز زكريا تامر كان يزورني ويمدّني بالكتب. > هل فكرت أن تزور سجن المزّة بعد اقفاله؟ - لا، هذه ذكرى أليمة. > هل تدافع عن سجناء السياسة والفكر؟ - أجل، إنني معهم جميعاً. أنا ضد سجن السياسيين والمفكّرين أياً كانوا. ومن الظلم حقاً أن يبقى في العالم سجن سياسيّ. > هل تحلم بأن يأتي يوم لا يبقى فيه سجن سياسي!؟ - أجل. السجن شيء بشع وقاتل. تصوّر، هناك سجون ليس فيها مراحيض. أنا كنت أبرد في السجن وكنت أجوع. وأشعر حتى الآن أنني لم أشبع. في حياتي جوع دائم هو أقوى منّي. هذا جوع تاريخيّ. > غالباً ما تتحدث عن قناعات ثابتة لديك. ألا تتغيّر القناعات على مرّ الزمن؟ - القناعات ثابتة ولا تتغيّر مهما حصل. والثوابت هي: الحرية، الكرامة، الرأي، اللقمة الكريمة، الجرأة... أنا واقعي جداً ولا أحبّ أن أفلسف الأمور. أنا شاعر صورة ولست شاعر فكر. لا فكر في شعري، وصورتي الشعرية واضحة ويمكنك أن تراها. > ماذا تعني لك فكرة تغيير العالم التي شغلت شعراء كثيراً؟ - لا تهمّني. ولا يهمّني أن أغيّر العالم. ولم أحاول أن أنخرط في أيّ حركة من أجل تغيير العالم. الكلمة هي الأهم. أنا لا أؤمن بالثورة التي تريق الدم. ولا بالرصاص. أنا شاعر وأكره الدم. القصيدة وحدودها > لا حدود تفصل لديك بين القصيدة والمقالة! أحياناً يشعر القارئ بأن المقالة أشبه بقصيدة والعكس! - صحيح لا حدود بين النصوص التي أكتبها. هذه ليست لعبة ألعبها على نفسي وعلى القارئ. انني أكتب. أحياناً تطلع معي قصيدة وأحياناً مقالة. كل شيء عندي مادة للكتابة. حتى البصقة مادة شعرية. ولكن عليك أن تعرف كيف تبصق وعلى مَن. أي كلمة هي كلمة شعرية شرط أن تحلّ في محلّها. > هل خفت يوماً ان تسرق المقالة القصيدة منك؟ - لا. لم أخف يوماً على القصيدة، لا من المقالة ولا من سواها. > السخرية لافتة جداً في مقالاتك! - أحب السخرية كثيراً. وكلّ كاتب «جدّي» (جادّ) يلزمه علاج نفسي. لديّ احساس عميق بالسخرية. وأكره السماجة كثيراً. أحبّ خفة الظل. > روايتك الوحيدة «الأرجوحة» هل أردتها سيرة ذاتية؟ ألست أنت بطلها «فهد التنبل» و «غيمة» هي سنية صالح زوجتك الشاعرة؟ - أنا لم أكتب «الأرجوحة» مثلما نُشرت. جاءني رياض الريّس وطلب مني نصوصاً لمجلّة «الناقد» التي كان باشر في اصدارها. أعطيته نصّاً كان عندي، هو سمّاه «الأرجوحة». هذا النصّ بدأت في كتابته أيام السجن. وخبأته عند أمي. عندما قرأته بعد خمس وعشرين سنة وجدت أنّه تغيّر. كنت أكتب ما يشبه الرموز. أعطيتهم النص كما هو ففكوا رموزه،. وطبعوه. وهم اختاروا اسم «غيمة» ليرمزوا به الى سنية زوجتي. > لماذا لم تُعد أنت بنفسك كتابة هذا النص الروائي؟ - لا أستطيع كتابة الرواية. خلقي ضيّق عليها. الرواية تحتاج الى منطق. وأنا أكره المنطق، خصوصاً في الكتابة. > تصدر قريباً الأعمال الكاملة لزوجتك الشاعرة سنية صالح! ما انطباعك؟ - انني في غاية السعادة لصدور هذه الأعمال. سنية شاعرة كبيرة. لقد تأخروا كثيراً في نشر هذه الأعمال. وقصّروا كثيراً في حقها. > ألا تعتقد ان اسمك ظلمها شعرياً؟ - اسمي طغى على اسمها. اسمي ظلمها صحيح. نظرتي اليها لم تتغير لحظة. انها شاعرة كبيرة ويجب أن تنال حقها. ديوانها «ذكر الورد» قمة شعرية وكانت كتبت قصائده وهي على فراش الموت. > كيف كانت علاقتكما، كشاعر وشاعرة؟ - كنت أقرأ لها قصائدي قبل نشرها، لكنني لم أكن أقرأ شعرها قبل أن تنشره. وهي أصلاً لم تكن تطلعني عليه، أدونيس كان يموت فزعاً من رأيها. كان لديها حسّ شعري كبير. > وظُلمت سنية كامرأة أيضاً. أليس كذلك؟ - أجل، ظلمت كامرأة. كانت مثل النسيم العابر. > لو قدر لك ان تحيا معها حياة جديدة كيف تتصور هذه الحياة؟ - ستكون الحياة نفسها. أنا لن أتغير وهي لن تتغير. لم أتزوج بعدها. وأكشف لك أمراً: سنية وشقيقتها خالدة سعيد عانتا الكثير تحت سلطة الخالة. فوالدهما تزوج بعد وفاة زوجته أي أمهما. انني رفضت الزواج لئلا تعيش ابنتانا تحت سلطة الخالة. وعندما كانت سنية تحتضر كانت «تملحس» بيدها على ركبتي قائلة: أنت أنبل رجل في التاريخ. > كيف تعرّفت الى سنية؟ - تعرفت اليها في بيروت، في بيت أدونيس. وكانت مجلة «شعر» حينذاك نشرت لي قصائد. دخلت سنية وأبدت إعجابها بالقصائد. وكان الحب ثم الزواج. > هل تشعر بندم ما لأنك لم تكمل التعليم وانطلقت الى الحياة بالقليل مما حصّلت؟ - أشعر بالندم لأنني تعلّمت أن أقرأ وأكتب. كنت أتمنى أن أظل ذاك الفتى الأميّ الذي يرعى الغنم ويعيش في القرية حياة النوَر والغجر. > لكنك أصبحت شاعراً! - الشعر متعة. مع انني لم أكن أعرف أن ما كتبته في السجن كان شعراً. كنت أكتب بعفوية تامة. وبعض ما كتبت كان على ورق البافرا، وهو نوع رخيص من الدخان، كنا نحصل عليه في السجن. وقصيدة «القتل» التي جعلتني شاعراً، لم أكن أعتقد انها قصيدة نثر كما صنّفها القراء والنقاد. |
| | |
| | #5 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| أَشْخَاصُ الْتَحَفُوا قَمِيصَ لُقْيَاهِ قُبَيْلَ الرًَّحِيلْ : ابراهيم حميدي رحل على أريكته جالساً بين سيجارته وسماعة التلفون عندما زارته مساء الأحد في منزله صديقته فاطمة النظامي الآتية من السلميـة مسقط رأسه، بادرها محمد الماغوط بالآية الآتية: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيـــة» ثم عدد لها أغلى الأشياء في حياته: زوجته سنيـــة الشاعرة الراحلة، ابنته الكبرى شام وقولها «ما في أحلى من بابا»، وابنته الثانية سلافة وقولهــا «ما أسخف من بابا» قبل ان يختتم: «الله يوفق كل اعدائي وأصدقائي». سألته فاطمة: «هل تخاف الموت؟»، فأجاب: «لا، لا أخاف الموت، وسأعيش مئة سنة»، قبل ان يستغرب من اين تأتيه هذه القوة. قال لها عبارة سعد الله ونوس التي قالها في خطابه في يوم المسرح العالمي: «إننا محكومون بالأمل». ردت فاطمة: «إننا محكومون بالندم»، فكان جوابها ان هز رأسه، لأن «جسمي سينتقم مني لإهمالي له سنوات طويلة». عندما استيقظ الماغوط في صباح اليوم التالي، يوم امس. وضع شريط مسجل لشيخ يقرأ القرآن. وراح يستمع. تدخل عليه ام علي وابن اخته الدكتور محمد بدور، الذي لازمه في السنوات الأخيرة. تطعمه قبل ان يتناول الدواء. غادر الدكتور محمد الى مكان عمله في المستشفى. ثم غادرت ام علي. وتركا الماغوط يستمع الى تلاوة القرآن، كما جرت عليه العادة في الأشهر الستة الأخيرة. اتصل الدكتور محمد بخاله الماغوط في الثانية عشرة ونصف، ليمطئن عليه. فكان جواب الماغوط: «صحتي كويسة». كان ابن اخته يشعر بالقلق عليه، حاول الاتصال به مرات عدة بعد ساعة. غير ان الخط الهاتفي كان مشغولاً. وعندما جاء الى المنزل. رحل الماغوط جالساً على أريكته. بيده اليسرى سيجارته وفي اليد اليمنى يمسك سماعة التلفون. |
| | |
| | #6 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| غسان شربل بائع السموم كنا في مطلع العمر والحبر حين بحثنا عن مائدته. عثرنا على دواوينه وانفردنا بها قرب النوافذ المفتوحة على الوهم وقرب الشرفات المنسية قبالة البحر. كانت الوليمة عامرة ووقعنا في الفخ. أعشاب غامضة وعصافير مرتبكة. أشجار موتورة وأقمار متهورة تهاجر الى المناديل. كان يصرخ كمن يحاول دفع وحشية العصر. كمن يحاول أن يحمي غيمة من مزوري الغيوم. كمن يحاول أن يحمي ينابيع البراءة من مافيات المشعوذين. كان محمد الماغوط صياداً قاتلاً. عينان مكونتان بآلاف الصور تستدرجان القاموس الى العري الصارخ الشفاف. وكانت بندقيته مخيلة شاسعة قضى عمره رافضاً أن يروضها خوفاً على بكارتها من قدرة العصر على التلاعب ببراءة البوح والغضب والاحتجاج. كان الصياد الذي يدافع عن الغابة وقناديل القلب. كان شرساً في دفاعه وعنيفاً في اخلاصه وعنيداً في ولائه. كان صياداً مجنوناً لا يطلق النار إلاّ ليصيب نفسه. كنا في مطلع الحبر والعمر حين تسللنا الى مائدته. قرأناه من الوريد الى الوريد. وأعدنا القراءة. وحين عدنا اليه بعد سنين وجدناه واقفاً حيث كان على ذلك الحبل الذي يفصل بين الحبر والدمع وبين الحلم والانتحار وبين الشغف والهاوية. تقرأه فتهب عليك الصور. تتسلل الى قلبك وأوردة الرأس. هذا شاعر لا يطيق الحياد. يستحيل أن تكون معه نصف معجب ونصف عاشق. تكرهه أو تذهب معه. وان ذهبت دفعك الى الحدائق والمناجم وقدّم لك الحزن عرائس يتغاوين بقلائد الرغبة وخواتم اليأس. قبل أسابيع هاتفني زميلنا إبراهيم حميدي من دمشق. كان في منزله ثم جاء صوته: «غسان. أنا. لا ازعبر. اكتب هذه الأيام أشياء جميلة ومستعد لكتابة مقال في «الحياة» كل أسبوعين». كان محمد الماغوط يعرف جوابي ويعرف انحيازي إليه منذ استدرجته للكتابة في «الوسط» قبل أعوام. ولأنني كنت أخشى على الصياد الذي أدمن اطلاق النار على نفسه والذي كان يعالج تصدّعات الروح بما يبيد الجسد كشفت عن طمعي. قلت له: «نبدأ بحوار طويل ثم نعلن لقراء «الحياة» عن موعد مقالتك». كنا نعد الإعلان عن الحلقات أمس حين هاتفني إبراهيم ليبلغني أن محمد الماغوط لن يقرأ الحوار ولن يكتب. هجمت عليّ عبارات سمعتها منه في منزله وفي منزل الصديق فخري كريم رئيس تحرير «المدى» وفي المقهى الذي كان يحبه في دمشق. تذكرت عبارته الواثقة «ان الظلام الدامس يقترب». تذكرت قوله عاتباً «لا مستقبل لأمة كان لديها بيروت وأضاعتها». حزنت. ركض محمد الماغوط عمره بوحشة الأنهار وطيش العصافير. كانت النار مشتعلة في ثيابه وأجنحته ومحركات الروح. كان يرمي الأيام مثقلة بأعقاب السجائر وأعقاب الأحلام المهشمة ككؤوس تطاردها لعنة الزلازل. هرب الى التراب نجمة تعبت من السهر على حبال المخيلة الراعبة. كان حارس منجم الحزن وبائع السموم الباهرة. وكنا نحب سمومه ولا نزال. و «الحياة» التي كانت تستعد لاستضافته كاتباً تنشر اليوم حواره الأخير تحية لبائع السموم الجميلة. |
| | |
| | #7 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| شهادات دريد لحام هذه القامة، واسمها محمد الماغوط، ليست في حاجة الى شهادة من أحد لأن أعماله الأدبية، تعلمت منها ومن خلال رفقتي الطويلة من عمري وعمره، كيف يكون عشق الوطن. هذه الاعمال كتبها بنبض قلبه وبعشق الوطن والحرية. شوقي أبي شقرا لا أحد مثله يستطيع ان يحكي عن موته، وان يعلق على كونه غادر هذا العالم. اذا كان هو فعل لكان أحلى وأجمل، ولكانت أخذته الابتسامة والمرارة قبل الدمعة، ولكانت الدهشة هي الأقرب الى أي انفعال آخر. وهي الدهشة التي ملأته واحتواها نتاجه الشعري والمسرحي، وأرسلها مرنانة منهكة وجارحة الى العالم العربي، وكان سابقاً أرسلها الينا ونحن في مجلة «شعر» وانتقلنا معه بها الى حالة طرب لا يجيدها إلا هو. مضى بجسده الذي خانه وأما نتاجه فشجرة لا أحد يستطيع ان يقطعها، وأما اليباس فلن يأتي عليها، وإنني لأراها خضراء ووارفة الظلال، ومحمد يغرّد فوقها ويقود الاوركسترا كما يشاء. حنا مينا كان الصديق العزيز المرحوم محمد الماغوط عبقرية شعرية ونثرية ومسرحية. وكان على درجة كبيرة من الأنفة، وقد طلبت منذ يوم أن يأذن بترشيحه لجائزة «العويس» فرفض قائلاً: «هم يعرفون من أنا». وقبل مماته الذي أحزنني وأبكاني نال هذه الجائزة، وهي أقل بكثير من قيمة هذا العبقري الذي فقدناه. الرحمة الواسعة للصديق العزيز الذي فقدناه... وفقده الوطن العربي كله والعالم أيضاً. إن هذه العبقرية من النادر أن تكون محدودة بزمن معين فهي تمتد على مدى قرون طوال، وقد شاء الحظ أن نفقد شاعراً كبيراً كان نثره شعراً... هو المرحوم الشاعر نزار قباني. واليوم نفقد شاعراً آخر. ومع أن سورية كانت قديماً وحديثاً منجماً ابداعياً إلا ان العبقريات لا تأتي دورياً. رحم الله محمد الماغوط والعزاء لعائلته ووطنه ولشعبه ولأمته العربية. جابر عصفور محمد الماغوط واحد من أعمدة الحداثة الشعرية العربية وهو الأب الحقيقي لقصيدة النثر بموهبته المتفجرة التي لفتت الأنظار الى تلك القصيدة لقد كانت كتابته لها بعد هزيمة 1967 ابلغ الأثر للتعبير عن مشاعر الغضب التي اجتاحت الأمة العربية من المحيط الى الخليج وظلت قصائده رايات للتمرد على الهزيمة وكل شروط الضرورة التي صيغت لتزويرها، محمد الماغوط نسيج فريد من نواح كثيرة على المستوى الإيقاعي صاغ قصيدة النثر بإيقاعها الخاص التي وضعها في موازاة قصيدة التفعيلة وكان لقدرته على بناء الإيقاع بما يتكامل مع لغته وصوره الجريئة الجسورة كان أول من أسس شعرية النثر في القصيدة العربية ومهما وصلت قصيدة النثر الآن الى حدود بعد ان صارت موضة لدى الشعراء من الجيل الجديد، فإن إنجازاته تظل تؤكد على العبقرية الإبداعية التي تثبِّت ريادته التي حولت قصيدة النثر الى وعي طبيعي في الخيال العربي ذلك الخيال الذي طالما رفض الاعتراف بها. أحمد عبد المعطي حجازي محمد الماغوط في نظري افضل شاعر عربي كتب قصيدة النثر حتى الآن خصوصاً في مجموعته الاولى، واستطاع ان يقنعنا بأن هذا الشكل له شرعية تبرر كتابته وقراءته. لم يكن في قصيدته مدفوعاً بتجريب شكل سبقه اليه الشعراء الغربيون كما نجد الكثيرين ممن كتبوا قصيدة النثر انما كتب ما رأى انه يحتاج لكتابته ووجد شكلاً ربما على نحو عفوي استطاع ان يقول فيه ما يتمنى أي شاعر حقيقي ان يقوله في القصيدة الموزونة ويستطيع، انه تفوق على كثيرين ممن كتبوا هذه القصيدة كان بسيطاً يقدر ما كان عميقاً وصادقاً اعتقد انه لم يكتب الشعر قاصداً، انما كتب كما أحب أن تكون ولا استطيع ان اتحدث عنه كشاعر فقط لكنه كإنسان تعذب في سنوات اقامته في لبنان وكذلك في وطنه سورية، لكن مصير الماغوط الذي عرفه كان مصير معظم المثقفين العرب. سيف الرحبي كنا في مطلع العمر الشعري والحياتي نجتاز الارصفة والشوارع بين شتى العواصم العربية وغير العربية، مسكونين بأطياف الانقلابات والتمردات على كل الاصعدة، وكان طبق محمد الماغوط الشعري هو الاقرب الى ذلك التسكع الحالم والفجر والضيق من العالم السائد. كان – رحمه الله – الاقرب الى شعر الحياة اليومية، ببساطته التركيبية الصافية والملثاثة بالهموم الصغيرة التي تنفجر من بؤرتها الهموم الكبرى، في سياق من التشظي يبتكر جماله الخاص. كان الاقرب الى خيالنا وذاكرتنا الشعرية وبمحيط الواقع العربي والاحلام المجهضة، بنبرته التهكمية ورؤيته السوداء، يوم كان الكثير من الشعراء الرواد، يحملون نوعاً من نبرة نبوءاتية مبشرين بالمستقبل الذي يمكن ان يكون قريباً. كان الماغوط الى جانب خليل حاوي، كل في طريقته التعبيرية، الاكثر حدساً بما سيؤدي اليه الوضع العربي والانساني من تدهور وانجراف الى اقاصي الهاوية والعذاب. كان نبوءة الكارثة، الماغوط حمل الحياة الى الشعر، كما حمل الشعر الى الحياة من غير مسبقات معرفية ذات شأن ثقيل، فكانت تلك الدراما الحزينة لاطوار الكائن وهو يتلاشى في مهب الاضمحلال. شوقي بغدادي كلنا ميتون بلا ريب ومع ذلك يبقى الموت خبراً رهيباً وبخاصة حين يأتي يحمل معه نبأ أكبر عدو للموت... محمد الماغوط. سبحان الله يا محمد الماغوط، لقد كنت تسخر دوماً من الذين يخافون الموت، لأن امتلاءك الكبير بالحياة لم يكن يفهمه الكثيرون. وها أنت تفاجئني بهذه الصدفة، فلا أصدق ان محمد الماغوط يموت بهذه البساطة. يا إلهي ماذا أصنع مع هؤلاء الراحلين... مع هؤلاء الراحلين الاعزاء، كيف أوقف الموت عند حده ولو بأيام كي اعرف كيف احتفل بحزني عليهم. الى لقاء قريب يا محمد... الى لقاء قريب يا محمد. نزيه أبو عفش لأعترف: لم يصعقني خبر موت الماغوط كما يزعم المنافقون عادة، لأنني كنت أؤمن على الدوام ان الشعراء – اذ يستعيضون عن حياتهم بالحبر – لا يفعلون شيئاً غير كتابة الشعر وحياكة قميص الموت. ولأعترف: لم يفاجئني الخبر ايضاً. ذلك انني، قبل اسبوعين لا اكثر، كنت في زيارته. كان كالعادة يشرب ويدخن. فيما كان ابن اخته وحارسه «محمد» يشكو من ان الخال، على رغم تدهور صحته، لا يتوقف عن الشراب والتدخين. قلت للشاب: حسناً يفعل، عليه ألا يتوقف عن شيء، اذ ليس من اللائق برجل مثل الماغوط ان يواجه الموت بجثة خاوية، بل عليه، قدر ما يستطيع ان يكون مملوءاً بالحياة التي التهمها.. وأجاد التهامها. وأبداً، لم أشعر وأنا اتلقى خبر رحيله حتى بالحزن ولم يخطر لي حتى ان اقول: وا أسفاه!.. أو حتى «رحمة الله عليه»... ذلك لأن شيئاً لن يتغير بالنسبة اليّ، سواء مات الماغوط الآن أو بقي على قيد الحياة مئة سنة اضافية اخرى. ما أحببته فيه سيبقى: «شعره» وبالتالي سأظل قادراً على اشباع غرامي بقراءة شعره.. سواء كنت مضطجعاً على أريكة منزله في «المزرعة» أو ممدداً تحت بلاطة قبر هناك في بلدته السلمية. ما أحزنني حقيقة أن ثمة وعداً صغيراً لم استطع الوفاء به، كنت أخبرته انني ذاهب الى مرمريتا قال: اذاً لا تنسَ، احضر لي من هناك بضعة اقراص من الشنكليش. لم أقل له ان احداً في مرمريتا لم يعد يربي البهائم ذات الضروع. ولكنني طمأنته: لا تقلق، حال وصولي الى مرمريتا سأبحث عن أول امرأة مرضع لأصنع لك الشنكليش من حليبها. وكانت تلك آخر نكتة. بعدها لم أذهب الى مرمريتا للبحث عن النساء المرضعات ولا عدت الى الماغوط لأوفي «نذر الشنكليش» أو لاعتذر عن تأخر ربيع الرعيان. طبعاً، ولا هو اتصل ليسأل لعله نسي ما اوصاني به، حال مغادرتي بيته. مات الماغوط؟! وان يكن. الأهم انه عاش جيداً: عاش كثيراً وعميقاً. شوقي بزيع ثمة شيء يصعب تصديقه في موت الماغوط. فهذا الذي حول الحياة الى قلعة محصنة من العناد والبسالة لم يترك للموت فسحة للتسلل او ثغرة للمباغتة. لم يكن الموت ابداً في حسبان ذلك الشاعر الذي خلخل مفاهيم البلاغة السائدة وفتح أمام القصيدة العربية أفقاً غير مسبوق وأرضاً لم تُحرث من قبل. بلا وزن ولا قافية تقدم محمد الماغوط الى حلبة الشعر أعزل الا من شياطين روحه المتوثبة، عارياً الا من الحقيقة ومضرجاً بالأخيلة مثل بطل هوميري أغفلته الملاحم. كيف يمكن الموت ان يلم نثار ذلك الاسم الذي لم يعد ينطبق على احد بعينه بل بات رمزاً لكل ما تختزنه أمة بأسرها من احتياط الأمل والكرامة والتوق الى الحرية؟ كيف يمكن جمعه في قصيدة أو صرخة او جثمان لكي يدعي احد ان الطريق الى قبره لا ينقصها سوى المشيعين. ومن الذي يسقط الآن: الشاعر ام الناثر، المسرحي أم كاتب المقالة، المهرج أم الخشبة نفسها؟ منذ خمسين عاماً ونحن نختلف على معنى الشعر وشكل القصيدة ولا نتفق عليه. فهو، بموهبته النادرة، الذي هيأ لقصيدة النثر ان تنتزع مكانتها المرموقة في جغرافيا الشعر العربي. وهو الذي جعلنا ننحاز الى المغامرة والتجريب على رغم ما يحتملانه من مخاطر. وهو الذي ظلل بعباءته الواسعة مئات التجارب الرديئة والافلام القاصرة وأتاح لغير الموهوبين ان يجعلوا منه المسوغ والدريئة والذريعة. لن يموت مع جسده شيء. وباستثناء هذا الجسد سيظل لنا التصاق شعره بالحياة الى حد التماثل. ستظل لنا قوة استعاراته وصوره المباغتة التي أعادت الاعتبار للتشبيه. ستظل لنا قدرته الهائلة على استنفار الحواس. سيظل لنا امتهانه للفرح، على رغم ادعاء العكس، وحزنه الثقيلل في ضوء قمر عربي لم يكتمل ابداً ولم يشاهده أحد سواه. عبد المنعم رمضان أنا أخاف الموت ولا أحب أن أتحدث عنه ابداً الا ان موت الماغوط ليس موتاً عادياً انه الموت الثاني لأحد مؤسسي قصيدة النثر بعد موت توفيق الصايغ والثالث انسي الحاج الذي اتمنى له عمراً طويلاً قد صمت عن الشعر، لذا فموت الماغوط موت مؤسف في شكل مضاعف انا اتذكر الآن قصائده «الرجل المائل» و «منزل على البحر» وقصيدته عن «دمشق وبردة» وأتذكر سنية صالح زوجته وقصيدته ايضاً اتذكر بيروت كلها ولا املك كلاماً غير ذلك. حلمي سالم كنت في اليومين السابقين استعد لكتابة كلمة موجزة احيي فيها فوز جائزة العويس بمحمد الماغوط، واحيي فيها قصيدة النثر التي جعلها الماغوط تفوز بأكبر الجوائز على غير ما يهوى العموديون والسلفيون وأهل النقل. لكن الماغوط صاحب المعاكسة والمفاجأة عاكسنا وفاجأنا، بآخر ما في جعبته من مخالفة ومباغته. الماغوط هو الشاعر العربي الوحيد الذي بدأ حين بدأ بقصيدة النثر، وانتهى بقصيدة النثر، فلم يتسلل اليها كما فعل كثيرون بعد اقامة قصيرة في نص العمود، او بعد اقامة قصيرة في نص التفعيلة، من هنا، فهو عندي واحد من اكثر العشراء مبدئية في تاريخ الشعر العربي الحديث. والماغوط هو شاعر النثر الوحيد الذي يستثنيه خصوم قصيدة النثر التقليديون حينما يصبّون طوفان اتهاماتهم الجائرة على شعراء قصيدة النثر: من مثل ركاكة اللغة او التغرّب أو الهروب من القيد او الاستسهال او العجز او انعدام الاصالة. في كل هذه التهم (بصرف النظر عن صدقها او كذبها) فإن التقليديين يخرجون الماغوط من دائرة الاتهام، لانه تجربة أصيلة عميقة جارحة، ولأنه «نسيج وحده». أعلم، الآن، كم سيحزن دريد لحام، وكم سيحزن ابو حيان التوحيدي (فهو مثله غريب في وطنه)، وكم سيحزن سعد الله ونوس وممدوح عدوان وأمل دنقل (فقط كانوا جارحين مثله)، وكم ستحزن السماء لأن دموع الماغوط لن تكون زرقاء من كثرة ما نظر إليها، وكم سيحزن الحزن لان حاجباً قديماً على بابه لن يغدو واقفاً: «ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان / تؤكد انني لن أموت / إلا جائعاً أو سجيناً». |
| | |
| | #8 (رابط مباشر للمشاركة) |
| °. عَنْقَـاءْ أثْينَـا .° تاريخ الانتساب: Sep 2006 المكان: قَابَ سِيجَارةْ .. أَدْنَى لَعْنَةْ السن: 22
مشاركات: 1,937
| خليل صويلح يختلف محمد الماغوط عن غيره من الشعراء العرب، انه أنجز نصه باكراً، ثم هجره الى هجاء العالم، كمن ترك قنبلة موقوتة في شارع مزدحم، ولم يقدّر حجم الدمار الذي ستتركه في الأرواح. ولعل صاحب «الفرح ليس مهنتي» وجد نفسه أخيراً في فخ لغوي، صنعه بيديه، إذ انتسب الى الأرصفة والتسكع والترحال في نص عصي على التجنيس، ثم غادره الى ضفاف حياتية أخرى، لا تستدعي الألم ذاته، مما أوقع القارئ والشاعر في آن معاً في مواقف ملتبسة، فمحمد الماغوط في سنواته الأخيرة، كان يطلق «مانشيتات» متباينة في أهدافها ومقاصدها، الأمر الذي أربك الجميع. وربما علينا أن نتذكر أن هذا «البدوي الأحمر» ظل مخلصاً لحلم قديم في العودة الى الصحراء، مسقط رأسه، في مدينة «السلمية»، أو معقل القرامطة، كما كان يحب أن يسميها. كنت في زياراتي اليه، قبل سنتين، أجده منتشياً في الاستماع الى شريط عتابا بدوية، وكأنه بذلك يلملم أحلامه القديمة المبعثرة بين دمشق والسلمية، منذ أن غادرها حافياً الى أرصفة الصخب. بأية حال، لا يمكن لديوان الشعر العربي المعاصر، أن يتجاهل منجز محمد الماغوط، بكل بكارته ودهشته، وصوره المبتكرة. أما سنواته الأخيرة فكانت مزيجاً من التمرد والطمأنينة، من دون أن تخلو من صراخ مباغت. كتب مرة يقول: «أخذوا سيفي كمحارب/ وقلمي كشاعر/ وريشتي كرسام/ وقيثارتي كغجري/ وأعادوا لي كل شيء وأنا في الطريق الى المقبرة/ ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟» هل هو حدس الشاعر؟ علي المقري مبكراً خان محمد الماغوط رعب المفاهيم الإيديولوجية وسلطاتها، خان الوطن حين تحول الى سجن كبير واتخذ شكل هاوية، وخان ناسه حين تحولوا الى سجّانين وهتّافين يمجدون الهراوة وهي تتربع على كل شيء. محمد الماغوط هو إعلان مبكر للحزن في جوقة الفرح الرسمية، وهو الشاعر الحياة الذي يعيش القصيدة قبل ان يكتبها، الكتابة بالنسبة إليه حياة أولاً. لقد علّمنا ان نسخر من أنفسنا... من كل شيء، ومضى يحرّضنا ان نحيا حياتنا بالمقلوب. محمد الماغوط شخصية انقلابية بامتياز في الثقافة العربية إلا انه لم يسمح بأن يكون له شيعة يمجدونه في الصحف والإذاعات والتلفزيونات، ولهذا كان يشكك من نفسه اذا ما امتدحه المهتمون ببناء الدولة وهيبتها. ويبدو لي ان تجربة الماغوط الشعرية والمسرحية بحاجة الى إعادة قراءة ومن ثم إعادة الاعتبار لهذا الكاتب الذي مكث في وطنه المجازي مضطراً، ربما. وبقي مع هذا يُجمّل بفوضاه كل شيء بما في ذلك الوطن، كفكرة. عزاؤنا في رحيل الماغوط انه كان في كل حياته وممارساته اليومية وفي كتاباته يكافح لخيانة الموت، وإن ظن الأخير انه قد انتصر عليه. حسن بافقيه لعل الميزة الأساسية للشاعر الكبير محمد الماغوط، هو ذلك الحضور الذي يلفت الانتباه الى آخر لحظة من عمره، على رغم الحياة المأسوية التي عاشها مدة طويلة وبخاصة بعد وفاة زوجته. ومحمد الماغوط يعد حدثاً اساسياً في الشعرية العربية، وذلك بتأسيسه الملامح المهمة لقصيدة النثر، تلك القصيدة التي اخذت مشروعيتها وشرعيتها من خلال هذا الشاعر الكبير، الذي اجمع الفرقاء عليه، من يدافع عن قصيدة النثر، ومن يقف ضدها، كلهم أجمعوا على ان الماغوط هو العلامة الفارقة لقصيدة النثر. وعلى المستوى الجماهيري، فالذين لا يعرفون قصيدة النثر، كان الماغوط حاضراً بمسرحياته العظيمة المتتالية، التي أتحفت الجماهير العربية مع النجم دريد لحام. في الأخير لا يسعني إلا أن أدعو الله سبحانه وتعالى ان يتغمده بواسع رحمته. أحمد الملا عندما يذهب شاعر مثل محمد الماغوط، سنعرف ان الشعر جاء في ذهابه. ولا ننسى قوله مرة: «هذه الموهبة لن تمر من دون عقاب». وكنا، نحن قراءه، على انتظار طويل لمعرفة متى يكون ذلك. كثيرة هي اعماله الشعرية التي مستنا في الصميم، وسيبقى دائماً قريباً حتى في قوله «احسد المسمار لأن هناك خشباً يضمه ويحميه». على مستوى تجربتي الشعرية، كان محمد الماغوط واحداً من الذين تعلمنا على يديه. فتنا بالصورة الشعرية التي لديه، لأنه كان من الشعراء المميزين الذين يصنعون صوراً فريدة ومختلفة. كانت حياته شعراً، حتى اشتغاله في الصحافة كان شعراً خالصاً. وكان يفاجئنا بقضايا مهمة، مثل قضية العناوين، وهذا له علاقة بالصحافة، اذ كان صانعاً يتقن نسج الصورة الشعرية وكأنها مشهد يتشكل في اللحظة، وتعرف ان هذه الصورة فريدة من نوعها، ولا يمكن ان تكون لها سابقة. هالا محمد «عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح.ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف من يضع رأسه؟!» هذه بداية الفيلم الذي سجلته مع محمد الماغوط منذ سبعة أشهر لشركة هوت سبوت فيلم لصالح «قناة الجزيرة» ضمن سلسلة «أدب السجون» حيث روى الماغوط حكايته مع السجن والابعاد في خمسينات القرن الماضي. الجمعة الفائت هذا صباحاً، اتصل بي وقال: هالا أريد ان أرى الفيلم الآن. ذهبت الى بيته. وبدأنا الفرجة. حين لمح جبل قاسيون وضجيج الجبل والمنازل المترامية أمامه وشمس دمشق الساحرة وسمع صوته يهدر بأنشودة الحب والتعب هذه. بكى. اهتز جسده كطفل. وبكينا الدكتور محمد بدور وأنا.قال: هذه سورية يا الله... وهذا نحن كما نحن. دخن الكثير من السجائر. ورفض مسح دموعه فتبللنا بالدمع. لم أره في حياتي يبكي ويضحك هكذا. أمنيته كانت: «ألا يبقى على وجه الارض جائع أو سجين».وكان يعرف انها مجرد أمنية لشاعر حر لم تستطع السلطات تدجينه على رغم كل ما أبدته له من حفاوات وعلى رغم كل التكريمات في ارجاء الوطن العربي. كان يقول: «لا اعرف سبب هذا الاهتمام المفاجئ يبدو انهم يساهمون فيّ كمشروع قبر...». مات وحيداً في بيته الذي احتضن كآبته اكثر من عشر سنوات. واحتضن دفاتر اشعاره المبعثرة كأعقاب السجائر في كل مكان. تمنى في احدى قصائده ان يلمح يداً او محرمة في هذا الكون تومئ له كشاعر من الشرق في وطنه البعيد ومنفاه البعيد. ستلوح لك آلاف الايدي والمحارم لأجيال وأجيال. أنت تعرف ذلك في قرارة روح شعرك |
| | |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة العرض | |
| |
مواضيع ذات صلة | ||||
| الموضوع | الكاتب | المجلس | المشاركات | المشاركة الأخيرة |
| لجميع الاعضاء ............... هام جدا | سومـــــا | درج الياسمين | 20 | 20-01-2007 10:28 AM |
| لجميع الأصدقاء | وهج الحنين | روح و ريحان | 2 | 17-08-2004 09:27 PM |
| هام لجميع الأعضاء ... | غـــــــــدو | درج الياسمين | 5 | 05-03-2004 06:00 AM |