لَم أكتب من مدة ، أو ربما كتبت ، أو ربما مرغتُ الورقة البيضاء بترف الشمس ، و دونت على أصبع المساء شوقا و بضعَ همهمات سخطْ ..
لكن في كل الحالاتْ ، لم أكتب شيئا يستحقُ القراءة ْ ..
في خضم الموت ، و احتقان المقلة بدمع البؤس ، نحتاج إلى جرعة عاطفة قوية ، تشخر بصوت عالي بجوف قلوبنا ، حتى تذوب تلك الثلوج عن قمم نهد عاشر شعبا من حبر أحمرْ ..
فأتذكرْ .. الساقية و جرافة الميلادْ
الثوب الأزرق الشفاف ، و حمرة الوجنة ، اسوداد الرمش الكثيف ، و انحدار الشعر على الكتف العاري ..
و نظراته التي تلفح الجسد نارا لا تذر ..
أطل من شرفة المسافة ، و لازال به حنين لوطن لا يفرغ فيههُ على أول عابر سبيلْ ، أخبرني أنه يمتلك الوجع بزنده ، و يحملقُ بعين الذئب و هو يترنح ثملا بالخسارة ..
أخبرني أيضا ، أنه اشتاق إلى تقاسيم وجهي ، المخضب بعروبة أزلية ..
ثم صمتْ .. و انهمك يرتل نبوءاته بدوائر التبغ و الآه ..
لم يك بيننا شيء يمنع اندلاق الشهوة / الخطيئة ، كان يدرك جليا أني أنثى استثنائية ، بها مدائن أنبياء رحلوا و صلبوا ، و بها اعتكف الشهيد يبلغ آخر وصاياه ، و على جسور كفيها تأرجحت عواصمُ الطهارة ، و انعقفت لجيدها جيادُ الشهامة و النصرْ ..
كان يرى بي " فلسطين " قبل أن تطالها أيدٍِ خائنة / متعفنة ..
كان يدركُ أن لصمتي عنوان قصيدة مبتورة ، وحده استرجل عصافير قلبي ، و ناغى الطفلة الناعسة بي
وحده .. مزق النسيان عن ذاكرتي ، و استوطن البقاء مخلدا كآلهة الحربِ ..
فنجان القهوة يبرد تدريجيا على صدر الطاولة ، و أصابعي تعبثُ بسلسلة كانت هدية لي من ربوع الصحراءْ
سألته : " بتحبني .؟ "
كنتُ أعلم علم اليقين أنه رجل احترف المراوغة حتى في العشق ، يسكرُ كآخر رجال الشرف ، و يقهقهُ و هو يعبث بشفاه السأم بي
دلفتُ أقلب دفاترَ الروح تباعا ، و أمهد لخيبة جديدة معه ، لصفقة نخسرُ فيها معاً
تراجعتُ للوراء قليلا ، و شبكتُ أصابعي و أنا أسدلُ عيني على كلماتِ أغنية عابرة ، تُمسكُ بتلابيب هذا الليلِ الطويلْ ..
لم أتعود ارتداء ذاك الشال على كتفي و أنا برفقته ، إلا إذا داهمني جُندُ طروادة في شن حرب على مواطن جسدي البرونزي ..
لم يكُ بيني و بينه إلا حاجز المنعطف الأخير للعناقْ ، و لم يكُ قبالتي إلا لهجة شامية أعتق فيها الحنين الفظيع لوسادة دافئة محشوة بمطر البيلسان ..
" اشتقتلكْ .. "
ابتسمْ .. دنا من وجهي قليلا كأنه يحاول فك شفرة ارتجاف الشفتين المكتنزتين ، و اندلاع الحناء على تفاحة الوجنة ..
كأنه يحاول رسم بلاد بحدود وهمية ، بهوية جديدة مختلفة ، يستنطقها في ابتكار ، يعلق على الأحداقِ نظرة خاطفة ثم متمعنة ، يقلب أوراق السيرة الذاتية لفمي عله يجد عطرا لرجل عابرِْ ، لجريمة عشق قديمة ، يدقق في ذقني و يعدلُ من انحنائه ليتوازى مع ذقنه المزروع براعم صغيرة ..
ثم .. يبتعدْ ..
يشعل سيجارة جديدة في بطء ، و يسألني و هو ينفث دخانه بعيدا عن وجهي المرتعشْ
" عن جد اشتقتلي ؟ "
ألذغُ معصمي بأناملي ، أعصر صرختي بين أنياب القهر ، و لا أبالي كيف ستكون حفلة الردود تلكْ
لكل منا قضاياه ، و قضيتنا المشتركة كانت " وطن "
كان يجيد الإنصات لكُفري بكل ما يحصل من زيف و احتقان دم و نذالة بالأرض ، كان يقف مهووسا بحروف التمرد التي تشتعل جحيما في صدري ، ليخبرني أنه " مندهش جدا "
كنتُ حزبا من النضال ، و جمهورا عريضا من السخط ، و قنابلا موقوتة للإنفجار ، كلما داهمني أحدهم باستفسار وحيد " ما قضيتُك ؟ " ..
لطالما ناداني " صغيرتي " ، و لطالما وثق رباط البراءة بوجهي ، و لطالما أخفى توثره من صوتي .. لكنه كان مما لا شك فيه " يحبني " ..
كنتُ صديقته بامتياز ، حرفتي رفقته كانت الإنصات ، و كان بدوره يجيد هذا الفن النادرْ ..
كنتُ أمه ذات حزن ، ذات يُتم ، ذات تغريبة مريرة .. و تمنيته أبا روحانيا لي يغلفني بقماش صوفي ، و يركض بي خلف الدروب المغلقةْ .. لنموتَ معا
كنتُ أيضا رفيقة النضال ، ثورة العشرين و دم الحرية ..
و كنتُ .. امرأته الحسناءْ ..
لا أعرف من منا سقط في مكيدة الآخر ، أهو صاحب العطور الباريسية ، أم أنـا التي لا تجيد ممارسة الحب إلا على الورقْ ؟؟
من منا مهيأ لإحتواء الآخر ، ؟؟ للإرتواء منه أكثر ؟؟
من منا الصحراء العطشى للنبيذ ؟؟ و من منا الأرض المشبعة بزلال الندى ؟؟
لم أستطع لحد الآونة أن أجد إجابة على هذه التراكمات العسيرة بذهني ..
لعله لمح انطفاء القمر بشعري الأسود ، و تشنجاتِ الصمت على مملكتي البعيدة ، لأنهمكَ برمي ثقل جسدي على حافة الشرفة ، و أتنهد في كبرياءْ شجرة نخيلْ شاحبةْ ..
أهو الحب ذاك الذي جعله يضمني من الخلف ، و يلثم عنقي في هدوء ، كأنه يضع أول لبنة للتوحد ؟؟
أم أن هزائم عمر بأكمله ، أورثته حزنا لا تسعه ذراعه ليدهده استقامتي أمامه ؟؟
أحسستُ أن شيئا من الثلج قد ذاب ، أن جليدَ الغرفة انصهر ، و حرارة شريانه تدفيء بردَ أشعاري و ملفاتِ القضايا الخاسرةْ ..
" حُبي لكِ خارج عن نطاق الزمن .. و اشتهائي لكِ لا يحده قدر ْ "
لمحتُ ساعتها ليل يافا و هو يقبل سحنة الزيتون ، و قشعريرة رام الله و هي تتكهرب بأوصال الشوارع الخالية ، و خواء غزة و هي تنتعلُ انتحارا جديدا ..
الحب وحدة لا يكفي لنتناسى جراحَ الغربة ، و لا لوعة الحدود و شوكً الإصطبار ، وحدها الغيوم تعرف ما معنى عقم الإنهمار ، و أنا بين يديه كنتُ آلهة تنحت عن عرش الربوبية اليونانية .. لتبكِ في شموخْ .
وحدي كنتُ أعرفه ، كنت أدرس خفاياه ، كنتُ أدون مطبات نفسانيته ، أقرر متى أتقدم و متى أتراجع ، وحدي أدخلته الجنة و النار ، و أدخلني بدوره جحيما و نعيما ..
وحدي أكتمل به ، ووحده يكتمل بي ..
لصلابة صدره تاريخ عروبة بائدة ، و لعيونه ملفات سرية للدمع العصي ، يداه كانتا عقدا من رذاذ عطر نابلسي ، و فمه كان سريرا لآنات المعتقلاتِ المشنوقة على عَمَدِ الإيجازْ ..
الوهن ، ذاك الذي أصاب استقامتي ، و ثقل جسده على ظهري يُشعرني كم قاسي هذا التاريخ الذي لم يكلف نفسه عناء تدوين أحلام الشباب بعروقه و عروقي ..
يده التي تطوق خاصرتي النحيلة ، تكاد تعصرني عنبا لحاناتِ أوصدت بالشمع الأحمر ، شفاهه التي تغتال عنقي ، و تتمطى على مساماتِ جلدي ، لتعبر أرشيفا آخر من الإستيطانِ المبكرْ
كان يرسمني ساعتها بطريقته ، يوحد اللون الخافت ، و يزيح شوائب الشمس التي غطت بعضا من أنحاء هيكلي الشرقي
استدرتُ نحوه لأتفحص ملامح رجل أحببته ، و علقت على شمعدانه أمنياتي الجريحاتٍ ..
كان متفردا في كل شيء ، حتى في العشق و ممارسته ، لم يكُ يحتاج إلى قواميس غزل ليتسلل لعنفوان امرأة ، و لا إلى فزاعة ليخيف المتبجحين برجولتهم الجوفاء
كان نادرا كفلسطين ، شهيا كبرتقال يافا ، عنيدا كجدران الجليل ، سامقا كأزقة بيت لحمْ ..
كان وطنا بملامح رجل شامي .. و كنتُ أنا تلك " الصغيرة " التي وجدت أخيرا مرفأ ترثي به لواعج الموانيء و السفنْ ..
وضعتُ يدي على شفاهه ، لأسأله فقط : " لماذا ؟ "
ظلت أحداقه تؤرخُ بي موجة من الصمت ، و هو في محاولة بائسة ليستنطق خفايا سؤالي
مُزيحا يدي بحنان ، بعد طبع قبلة بباطن كفي
" لماذا . . ماذا ؟ "
" أشعر بنوبة من البكاء رُغم أني في قمة الإشتهاء "
" ممممم .. إن من يطأ أرض الأنبياء ، عليه أن يجرب مذاق الدمع مختلطا بأنة انتشاء "
" أوَ يُعقلُ أن أحب رجلا يحمل بشفتيه إثم الإنتماء ؟ "
" يا صغيرتي ، من منا لم يحمل وزر القدر ، و من منا لم يرقص رقصة الجرح يا آخر أنصار زوربا "
" أتعي يا أحمق أني أحبك ؟ "
لم يتمالك نفسه من الضحك و هو يحدق بشفتي كنوع من إرباكِ حواسي ليردفْ :
" بربك أيعقلْ ؟ "
ثارت شياطيني الواحد و العشرين لأبعده قليلا عن طريقي و أنصرف ، شد المعصم بقبضة يده و هو يشدني نحو جدار الغرفة ، مستندا بذراعه عليه ، مقاربا زنده كسد ،أعلى كتفي ، كقسوة تطير من رومانسية الحروفْ
" هذه الكلمة لا تذبحُ عصافيري قربانا لأجلك ، و لن تلج مماليك مشاعري تجاهك لتحمل لك بكل نزاهة و شرف ما يتضخم به القلب ، كل ما قيل يا حبيبتي في العشق رواية مبتذلة ، يكفي أن تنغرسي في جسدي و تبتلعي طعم كلامي ، و تكتبين بأصابعك الغضة هاته على تفاصيلي الشرقية ، جلّ أحلام العاطفةْ
أتدركين الآن لما أتملص منها ؟ "
كدتُ أصرخ كما الأطفال الذين يوزعون نياشين مبرراتهم كنوع من التضرعْ
" و لكني أقتات عليها .. أحب أن أسمعها منك "
لكني تأملتُ سحنته ، بنوع من الفضول و التعجب ، لم تكن قبضته تؤلمني ، و لكن نظرته المكتحلة بالخيبة آلمتني حد الوجعْ الزؤامْ ..
أصواتُ الحمائم الناعسة تدغدغ البيت الصغير ، فراشات بحجم النور يسبحون على حافة النافذة ، الغيم يتدلى كأنشوطة من قعر السماءْ ، و دهليز الشحرور ينكح أغنية لا تكتمل إلا بديجور الأبيض ..
أقيم صلاتي بمحراب تكوره الجميل على صدري ، أصفف شعره بتناغم ، كعازف بيانو ينقر بخجل على جسدْ أنثوي ، أغني له مواويل الغجر ، و على فقرات ظهره أخلق قيثارة إسبانية ، تسفك عرش البرتغال على سفوح العُري الباردْ ..
طبع قبلته على رمانة كتفي و قال و هو يتأمل أول خيط للغسقْ :
" بحبكْ "
ابتسمتُ و أنـا أدثره بشعري كملاءة الأندلسْ و أردفْ :
" نم يا صغيري .. نم "
ولازالت القيثارة الإسبانية تعزف إلى الآن ..
إمضاء :
( س َمراءُ اللَّوْزْ )