لحظة تأمل يبدو أنه قدر علي الجيل الأوسط الحالي الحامل لواء المسئولية أن يحمل حملين كلاهما كبير أولهما القيام بواجب الوفاء والرعاية لجيل سابق أعطي ما وسعه العطاء ولم يعد في مقدوره إلا أن يسند ظهره إلي بنيه ـ جيل اليوم وأن يفئ إلي ظلهم ويخلد إلي واجب قيامهم بما ينبغي عليهم إزاءه والثاني جيل قادم.. فلذات أكبادنا: أطفال اليوم وعمد الغد.. الذين انفتح الستار علي غير ما نتوقع علي مشهد مأساوي بالغ المرارة يوري بأننا لم نحسن التحضير لمن أتينا بهم إلي الحياة لا خططنا كما يجب ولا رعينا
وبذلنا كما يرعي ويبذل أهل الجد والالتزام وأصحاب الاستبصار بأن الأمم كالأفراد هما معا حاصل بناء طويل عريض لا بد له من أساس ولا بد بعده من بناء شامل بعرض مطالب وتحديات الحياة, في النفس والبدن والعقل والعلم والمعرفة.. خلدنا إلي الصورة المريحة التي قد نراها في بعض المدارس والمعاهد الخاصة هنا وهناك وعلامة النعمة التي نطالعها في أبناء وبنات السراة والأثرياء في النوادي والمقاهي والمنتديات وبعض المعاهد والجامعات الخاصة التي أخذت تزاحم الجامعات العامة وتسحب البساط من تحتها لا يعنيها
مثلما لم يعننا أكوام الأطفال التي صارت تتعاطي البؤس والشقاء والتعاسة في الشوارع والطرقات وتتلقي ضربات الجانحين هتكا واغتصابا وتقتيلا أو تقع في أحضان تجار ومروجي المخدرات وأشباهها في قاع المدينة أو تسقط في براثن الإرهاب الذي يغذيه اليأس وتراكم الشعور بالضياع واللاجدوي!!
ليس بوسع أحد أن يشيح أو يعرض عن الكوارث المحيقة بقطاع كبير من أطفالنا الضائعين في الشوارع وغيرها.. ربما يقفز إلي الذهن فور التأمل في المشكلة والبحث عن حل يقي هؤلاء الأطفال من الضياع ومن المحن التي يتعرضون لها ـ أن عمالة الأطفال ربما كانت طوق نجاة وبديلا لاغناء عنه لحماية أطفال الفقراء مما يتعرضون له من أهوال. وربما كان هذا صحيحا بقدر أو بآخر. تقول دراسات منظمة العمل الدولية إنه مع ندرة تشغيل الأطفال في الدول الغنية فإن الطلب يزداد علي تشغيلهم في الدول الفقيرة أو النامية( لجبر الخاطر!)
و أن ذلك قد يسهم بقدر أو بآخر في حمايتهم من التشرد وتعرضهم لأهوال العصابات وأوكار الفساد ويحقق في الوقت نفسه دعما لدخل الأسر الفقيرة يساعدها علي معالجة مشكلاتها الاقتصادية.. إلا أن ذلك مع ما فيه من منطق لا يقدم إلا مسايرة المشكلة والتماشي معها ولكنه لا يقدم لها حلا يوقف زحفها أو يقلص مضاعفاتها بل إن إطلاق تشغيل الأطفال قد يشجع الفقـراء علي المزيد من الإنجاب طلبا لهذه العمالة ـ اللاإنسانية! ـ ما دامت ترفع دخل أو مستوي الأسرة!
بالاستسلام والمسايرة تزداد المشكلة تعقيدا وتتراكم آثارها ويمضي الانفجار السكاني بلا عقل ليقذف إلي المجتمع بأبرياء يعانون البؤس والتعاسة والضياع ويصيرون بصورة أو بأخري نهبا لذئاب بشرية بالطبع والسليقة أو بحكم ضغط الظروف التي اجتاحت قاع المدينة!
لعل الأوجب من استسهال التسليم والانصياع لما نحن فيه والاكتفاء بمنطق المسكنات ـ أن نواجه المشكلة مواجهة عريضة تحيط بالأسباب والجذور وتقــدم العلاج والحلول وتتبني فيما تتبناه تنوير العامة والبسطـاء أن' الخلفة' وكثرة الإنجاب ـ ليست بذاتها مجالا للتباهي أو بابا حكيما لزيادة أعداد العاملين في أسر تدفعها الحاجة إلي تشغيل صبيتها وأطفالها بحثا عن موارد للحياة وإنما تكون المباهاة بالنوع والكيف وبما تنجح الأسر والمجتمعات أو تخفق فيه ـ في رعاية وحسن تنشئة وتعليم وتثقيف وتأديب وصقل من نقذف بهم إلي خضم حياة لم تعد ترحم وأوكار انحراف أو فساد أو إرهاب لا يعنيها إلا مآربها الضيقة وليذهب كل شئ عدا ذلك إلي الشيطان.. فلا شيء يهم!
أخطر ما يقع فيه الأفراد والجماعات الإخلاد إلي إلف العادة أو الاعتياد وضمور ملكة الالتفات والتفطن والتأمل فيما يجري ويدور من حولها.. لولا هذا الإلف والاعتياد ما فاجأتنا أنباء الكوارث التي أزاحت المصادفات الستار عنها فإذا من خلفه مآس تنفطر لها القلوب علي ما يجري لأطفالنا في الشوارع والحواري والأزقة وفي أنفاق ومحطات وخطوط القطارات انصرفنا باللاوعي عن التنبه لها والالتفات إليها لأننا تصورنا أن الحلول توضع علي الأوراق.. ألم نضع في المادة/10 مـن الدستـور أن الدولة' تكفل حماية الأمومة والطفولة وترعي النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم'!
ما أصاب ويصيب أطفالنا يحتاج إلي وقفة تأمل ومراجعة ترصد بعين العقل وتعالج بمنطق الحكمة وتدرك أن هنا مكمن الخطر الحقيقي والأمل أيضا في إشراقة صباح! |