[align=center]تحول اعتقادات خاطئة شائعة دون لجوء المريض النفسي للعيادة النفسية فيبقى أسيراً لمعاناة المرض أو يقع فريسة للمشعوذين ... في هذا اللقاء مع البروفيسور / أمل المخزومي أخصائية الطب النفسي نلقي الضوء على خلفية شيوع تلك المعتقدات والتحفظات من المجتمع على العلاج النفسي ، و نتعرف معها على بعض الحالات المرضية المنتشرة ووسائل علاجها
في البدء.. دكتورة أمل.. هل المرض النفسي وراثي؟
من المعلوم أن الجينات تلعب دورا مهما في وظائف المخ من الناحية الفسيولوجية التشريحية ، كما لها دورا مهما في مجال الوقاية من الأمراض ومنها الأمراض النفسية .... وقد أثبتت بعض البحوث أن هناك جينات تجعل بعض الأفراد أكثر استعداد للإصابة بالأمراض النفسية من غيرهم ومن هذه الحالات الاكتئاب واعتلال المزاج ، واضطرابات الجنوح ، والسلوك العدواني الانتقامي ، والقلق المرضي ، واضطرابات التعلم الذي وجد بان كروموسوم رقم 6 له علاقة بتلك الاضطرابات ، كذلك توصل العلماء إلى أن اضطراب نقص الانتباه له علاقة مباشرة بجين مستقبلات مادة الدوبامين رقم 4 .... كما ينشغل العلماء في الوقت الحاضر لاكتشاف جينات مرض التوحد واضطرابات المزاج ... وهكذا يستمر البحث عن علاقة الجينات بالأمراض النفسية وكل ساعة لا بل كل دقيقة ولحظة تظهر نتائج بحوث معينة في العالم لها علاقة بالوراثة وبفعاليات ونشاط المخ الذي له دورا فعالا في كل أنواع سلوك الفرد ومنها الأمراض النفسية المختلفة.
منذ الأزل يعاني الإنسان من نظرة المجتمع السلبية لمراجعة العيادة النفسية، فكيف تواجهون ذلك؟
هذا صحيح ، وتاريخ الطب النفسي طويل في هذا المضمار وما فعلته الأساليب التي كانت متبعة في القرون الأوربية الوسطى بالمرضى النفسانيين وانتشار الخرافات آنذاك التي جعلت المعالجين يستعملون الأغلال والسلاسل لتقييد المرضى وتلك الثقوب التي وجدت في جماجم المصابين بالأمراض النفسية والعقلية والغرض من تلك الثقوب هو إخراج الجن من رأس المريض وكل تلك الممارسات جعلت نظرة المجتمع للعلاج النفسي نظرة سلبية كما زرعت الخوف في نفوس الناس وما زال أثرها باقيا لحد الآن...
و لقد دأبت أوروبا على تغيير تلك الأساليب بشكل واسع وعملت على تغيير اتجاهات الناس نحو العلاج النفسي حتى أصبح الإقبال عليه كبيراً ، أما في أمريكا فقد أصبح الشعب الأمريكي ينظر إلى العلاج النفسي نظرة المنقذ من الاضطرابات والوسيلة المساعدة للتخلص من المشاكل الاجتماعية ، كما أصبح من يتعالج في المراكز النفسية يفتخر بذلك ويعتبر اهتمامه بهذا الجانب النفسي مظهرا حضاريا بارزا . اللجوء للعلاج النفسي ظاهرة حضارية
ومن يزور أمريكا يجد مراكز العلاج النفسي منتشرة هنا وهناك . أما في العالم الثالث مع الأسف ما زالت بعض رواسب القرون الوسطى قائمة ، وما يحيط بممارسة العلاج من خرافات وأساطير بحيث تؤدي بالمريض إلى الهلاك ، إضافة إلى النظرة الاجتماعية السلبية للأمراض على أنها مركب نقص ويوصف المريض النفسي بأنه مجنون ولهذا يتخوف المريض من الإفصاح عن ما يعاني منه إلى أن تستفحل حالته ويظهر المرض بشكل واضح للآخرين فيصعب علاجه وتطول مدته ... وبإمكاننا أن نقول في السنوات الأخيرة وبفضل التكنولوجيا والاتصال الالكتروني طرأ بعض التحسن على تلك النظرة لدى المثقفين ولكن بشكل طفيف جدا ، وأعتقد أننا الحاجة لتوعية أفراد المجتمع بحاجة الفرد المصاب نفسيا للعلاج النفسي كحاجة المريض جسميا للعلاج الجسمي ولا فرق بين الاثنين ولا يدعو ذلك للخجل مطلقا .... هناك فروق فردية بين المرضى وخلفياتهم فمن كان مطلعا على الأمراض النفسية يأتي للعيادة وهو واثق من نفسه ، والبعض الآخر يأتي للعيادة ويدعو الله أن لا يراه احد من معارفه خوفا من الفضيحة ، ويعتبر المرض النفسي فضيحة ، وآخرون عندما يتماثلون للشفاء لا يصرحون بذلك .... وهكذا نفتقر للدعاية الايجابية فعلى سبيل المثال عند شفاء المريض المراجع لا يصرح بذلك الشفاء ولكنه عندما لا يتحقق الشفاء يبدأ بالإساءة للمعالج النفسي .
ما هي الأعراض التي تشير إلى حاجة الإنسان لمراجعة العيادة النفسية؟
جميعنا نتعرض لحالات نفسية معينة كالحزن والقلق وتعكر المزاج ولكن تزول هذه الحالة بزوال السبب والمؤثر عندها تعتبر حالة طارئة ، أما إذا استمرت الحالة لدى الفرد لفترات طويلة بحيث يؤدي ذلك إلى اضطراب التوافق النفسي والاجتماعي الذي يسببه القلق النفسي الشديد والكآبة والوسواس القهري ... الخ من الأمراض النفسية ، عندها يتطلب الأمر إلى علاج نفسي ويكون حسب الحالة وشدتها ، وإذا اشتد هذا الاضطراب وأدى إلى الإصابة بأمراض عصبية عقلية فإن الأمر يتطلب علاج المريض في المستشفى تحت إشراف أطباء مختصين بذلك ولفترات يحددها المعالج.
تمر بالإنسان أحوال نفسية مختلفة تتفاوت في حدتها مثل " القلق، الخوف، الاكتئاب" الخ, فمتى يمكن أن نعتبرها حالات مرضية تتطلب العلاج؟
يتعرض الفرد أحيانا لحالات معينة من القلق والخوف والحزن ، على سبيل المثال خوف وقلق الامتحانات ، قلق الشروع بعمل معين ، أو الإقبال على الزواج ، أو شراء بيت أو سيارة ، أو الدخول في مناقصة معينة وغير ذلك من متطلبات الحياة ، كما تمر بالفرد مواقف محزنة كالحزن على فقيد عزيز عليه ، أو يتعرض لفشل في موقف معين ويكون هذا النوع من القلق والحزن لفترة معينة عندها لا يعتبر حالة مرضية أما إذا استمر هذا القلق والحزن أكثر مما يتطلبه الموقف بحيث يؤثر على سلوك الفرد ويؤدي به إلى أن يفقد إنتاجيته وتفاعله مع الآخرين عندها يمكن وصفه على انه حالة مرضية تتطلب العلاج . على سبيل المثال أن القلق النفسي المرضي يؤثر على فعاليات الفرد الجسمية من آلام المعدة والإسهال أو الإمساك والقرحة وغيرها من الإمراض الجسمية التي ينبغي علاجها عن طريق مساعدة المريض على التخلص من الاضطراب النفسي المسبب لتلك الظاهرة المرضية
يشكو معظم مراجعي العيادات النفسية من الوصفات الطبية التي تقدم لهم بعض المسكنات والمهدئات والتي يزول أثرها بزوال مفعولها ولا تؤدي على المدى البعيد إلى استقرار الحالة النفسية ، فهل هذا صحيح؟
نعم هذا صحيح ، لان المهدئ والمسكن لا يعالج السبب الأساسي الذي أدى إلى المرض وبزوال مفعوله تظهر الحالة مرة أخرى على السطح ، أما إذا عرف سبب العلة وتم القضاء عليه مع تعاطي تلك المهدئات والمسكنات عندها يتماثل المريض للشفاء وهذا هو المطلوب.
كيف لعقار مادي محسوس أنْ يعالج معاناة نفسية غير محسوسة؟ وما هي الأمراض النفسجسدية ؟
يحتوي الدماغ على عشرات المستقبلات والمرسلات الكيميائية والتي يطلق عليها بالنواقل العصبية كمادتي " سيروتونين " و " نورادرنالين " وغيرهما فإن حدث تغيير في تركيز هذه النواقل بسبب مرض نفسي معين فإن الأدوية تعمل جاهدة على إعادة توازن تلك النواقل العصبية و تصحيح التغييرات الكيماوية الحاصلة فيها مما يساعد على تخفيف المرض أو إزالته .... كما أن قناعة المريض بالعلاج تؤدي إلى إثارة ميكانزمات الجسم حول المعاناة وبالتالي يؤدي العلاج الدوائي إلى تخفيف الحالة أو القضاء عليها أما إذا كان العكس و المريض لم يتجاوب مع الدواء فلا يؤثر ذلك الدواء بحالته ومعاناته مهما كانت قوة ذلك الدواء .
أما الأمراض النفسجسدية : هي الأمراض التي منشأها نفسي ومظهرها جسدي وهي كثيرة منها قرحة المعدة والالتهاب القولون والصداع وشلل بعض الأعضاء والعمى الهستيري وزيادة ضربات القلب والتعرق الشديد واضطراب الغدة الدرقية واختلال نسبة السكر في الدم ، والحساسية ، وضغط الدم ، والأمراض العصبية ...الخ من الأمراض التي سببها الأساسي نفسي وليس عضوي وعندما يزال السبب النفسي تعود للفرد صحته وتتوقف شكواه من ذلك المرض.
تعاني أغلب مستشفيات الصحة النفسية من عدم توافق منشآتها وخدماتها مع المواصفات القياسية التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية, فإلى أي حد يمكن تطبيق هذا القول على مستشفياتنا المحلية؟ وكيف ينعكس ذلك على علاج المرضى؟
بحكم إقامتي في تركيا لم أكن اطلع على ذلك في الدول العربية بشكل دقيق ولكن حسب ما ينقله لي البعض بان قسما منها لم تكن في الشروط المطلوبة ولكن البعض الآخر منها كانت حسب المواصفات . على كل حال يحتاج الأمر إلى مسح بحثي للتأكد من ذلك .
و من الطبيعي أن المريض بشكل عام والمريض النفسي بشكل خاص بحاجة إلى رعاية خاصة تسعده وتريحه وتخفف عنه معاناته وكلما كانت العناية جيدة كلما كانت النتائج مرضية لذلك تشدد المنظمات الصحية والمراكز النفسية على الاهتمام بهذا الجانب.
وفي الختام
أدرج بعض التوصيات التي تساعد على حماية الفرد من الأمراض النفسية كما يأتي:
1 ) الاهتمام بالأبناء منذ فترة الحمل والحذر من المؤثرات التي تضر بالجنين .
2 ) العناية بالوليد من جميع النواحي وتوفير المثيرات الايجابية له كي ينمو ذكائه بشكل يرضي للجميع.
3 ) العناية بتنشئة الأبناء وذلك بإتباع الطرق السليمة التي تساعده على النمو الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي.
4 ) مساعدتهم على الإبداع والابتكار فنحن بحاجة إلى جيل مبدع ومنتج.
5 ) الاستفادة من تعاليم ديننا الإسلامي وتطبيقه بشكل نافع مع أبنائنا.
6 ) الاستفادة من حفظ القرآن الذي ينمي الذكاء ويقوي الذاكرة وقراءة قصص الأنبياء التي تعمل على تنمية الخيال والإبداع. ومن وجهة نظري بان قراءة القرآن الكريم وحفظه يساعد كثيرا على تنشيط فصي المخ لدى الأبناء .
7 ) الاهتمام بصحة الأبناء من الناحية الجسمية والنفسية.
8 ) تجنب إهمال الحالات النفسية التي تظهر على الأفراد والإسراع بهم للعلاج النفسي فلا فرق بين الأمراض النفسية والجسمية.
9 ) الاهتمام بالمراكز العلاجية والمستشفيات وإجراء البحوث حول طرق العناية بالمريض المتبعة بها.[/align]
[align=center]منقووول للفائدة العليمة من مجلة عربيات
وألف مبروك إفتتاح هذا القسم
اخوكم
عبدالعزيز[/align]