[moveo=down]# هدايا ربانية من كتاب الله .[/moveo]
كتاب الله تعالى منحة ربانية للبشرية، وهبة جليلة من رب البرية، فيه حِكم إلهية، وسنن كونية، وقصص وعظية، ومواقف دعوية، وفيه هدايا قرآنية من الحق عز وجل ضمّنها كتابه لعباده.
وهي هدايا متنوعة، وتصلح لفئات متعددة، وفي أزمنة مختلفة، ولا عجب فهي من لدن الخالق الذي فطر الخلق وذرأ البشر، وهو عز وجل العليم بأحوالهم، يختار لهم هدايا من عنده تتنوع بتنوع أوضاعهم، وتتباين باختلاف نفسياتهم وأحوالهم.
سننظر معاً في بعض آيات القرآن التي تحمل خير الهدايا من الله تعالى إلى الناس، فلنتعرف إلى أجمل الهدايا من الآيات البينات.
“ هذه هدية عظيمة القدر، يعم بها مهديها جميع الخطائين، فيهدئ من روعهم، ويبث فيهم الأمن والطمأنينة، ويجتذبهم بلطف ورفق ومحبة إلى رحاب الحق، وينأى بهم عن اليأس المهلك، وعن التمادي في الباطل، فلنقرأ بخشوع قوله جل جلاله: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم” (الزمر 53).
وهذه هدية سخية، هي أعظم منحة يمكن أن يحصل عليها إنسان، وحريّ به أن يسارع إلى تلقيها، ويدفع ما تستحقه من جهد في مجاهدة النفس ليصل إليها، ولا يمنعه عنها شيء ولو أن يترك الدنيا كلها إن اقتضى الأمر، وهذا لا يقتضي إلا شيئاً من التخلي عن حق النفس وهواها، وإلزامها جهداً يسيراً هو من طبيعة النفس وفطرتها فلا تحتاج إلى جهد كبير لأدائه، وينال عليه أعظم ما يمكن أن نحصل عليه نحن البشر الضعفاء من الرب القوي العزيز وهو المحبة، قال الله عز وجل: “فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين” (التوبة 108)، وقال سبحانه: “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين” (البقرة 222).
هدية قيمة ثالثة تسوقها آية ربانية، تثبّت المؤمن، وتعمّق اليقين في قلبه، وتجعله على هدى من ربه، وتغرس في نفسه الثقة المطلقة بالله، وتمنحه إحساس المعية مع رب البرية، يقول الله الرحمن الرحيم: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فلسيتجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” (البقرة 186).
وهذه الأحوال التي تذكرها هذه الآية إن تحققت فيك، ووجدتها في نفسك وحياتك، فابشر بهدية من الله، وهي أن يجعلك من المؤمنين حقاً، ويخصك بدرجات لا يعطيها إلا لهم، ويمنحك قدراً من المغفرة ونصيباً من الرزق الكريم “إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم” (الأنفال ،2 ،3 4).
وهدية أخرى قيّمة، إن ظفر بها العبد فهي سعادته التامة الخالدة، لأنها تمسح عنه آثار ما مضى، وتزيل ما علق بصحيفته من ذنب بسببه، قال الله عز وجل: “ولا يأتَلِ أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم” (النور 22).
إنه العفو والصفح يجلب للعبد محبة الله وغفرانه، فمن أحب الغفران من الله فليسارع إلى العفو ويبادر إلى الصفح، ولا يؤاخذ العباد بما أساؤوا في حقه، بل يهبهم لله، ويعفيهم مما ارتكبوا محتسباً أجره عند الله راغباً في مغفرته لكل ما فعل.
وهدية جميلة، هي جنات وروضات، وفضل عميم لا ينقطع، ورزق موصول غير ممنون، قال القرآن الكريم عن وعد الله لمن آمن وعمل صالحاً: “والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير” (الشورى 22).
ولمن آمن وعمل صالحاً فاستكمل العبودية أكثر من هدية في كتاب الله، فالجنان التي يمنحها لهم فيها هدايا كثيرة، نذكر بعضها كما ذكرها الله في قوله: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً، أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يُحَلَّون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خُضراً من سندسٍ وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نِعم الثواب وحسنت مرتفقاً” (الكهف 29-31).
وللصبر عاقبة حميدة لا يقدّر مقدارها إلا رب العزة سبحانه، فيصلي على الصابرين فيزول عنهم ما كانوا فيه من همٍّ وغم، وتنشرح نفوسهم وتسر قلوبهم بما يمنحهم ربهم من الرضا والنعيم: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون” (البقرة 155-157).
وكظم الغيظ مع مداومة الإنفاق في السراء والضراء يقدم لنا ربنا جزاء له هدية كبرى هي جنة عرضها السموات والأرض، قال سبحانه وتعالى: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” (آل عمران 133-134).
ودفع السيئة بالحسنة إحسان من العبد، فيقابله الرب بإحسان أعظم منه، يقول جل جلاله: “والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار، جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب” (الرعد 22-23).
وهدية للتائبين هي استثناء من الله القدير لهم مما يحل بالعاصين من العذاب المهين، فينجيهم الله منه ويعزهم، ويقلب سيئاتهم حسنات: “إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً” (الفرقان 70).
الذكر الدائم لله دليل حب العبد لربه، واتصاله به، وشوقه إليه، وهو سبحانه الجواد الكريم يجزي العبد المحب بجزاء بما هو سبحانه أهل له، فيصلي على العبد الضعيف رحمة به، ويرزقه النور رأفة بحاله، إنها هدية الله للذاكرين: “يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبّحوه بكرةً وأصيلاً، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً” (الأحزاب 41-43).
ولمن يستمع الحق فيتبعه، ويحرص على إتباع أحسن ما يسمع دوماً يبشرهم ربهم بشرى عامة لا يحيط بمضمونها إلا هو سبحانه: “والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشِّر عباد، الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب” (الزمر 17-18).
والإستغفار هدية إلهية ترتاح بها النفوس، وتفرج الهموم، ويُوسع العيش، وتهنأ الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: “فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يُرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهاراً” (نوح 10-12).
والمنّة العظمى والهدية المخصصة هي الدار الآخرة كلها، حيث يجعلها الله خالصة للمؤمنين فيقول وقوله الحق: “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين” (القصص 83).