غسان شربل بائع السموم
كنا في مطلع العمر والحبر حين بحثنا عن مائدته. عثرنا على دواوينه وانفردنا بها قرب النوافذ المفتوحة على الوهم وقرب الشرفات المنسية قبالة البحر. كانت الوليمة عامرة ووقعنا في الفخ. أعشاب غامضة وعصافير مرتبكة. أشجار موتورة وأقمار متهورة تهاجر الى المناديل. كان يصرخ كمن يحاول دفع وحشية العصر. كمن يحاول أن يحمي غيمة من مزوري الغيوم. كمن يحاول أن يحمي ينابيع البراءة من مافيات المشعوذين.
كان محمد الماغوط صياداً قاتلاً. عينان مكونتان بآلاف الصور تستدرجان القاموس الى العري الصارخ الشفاف. وكانت بندقيته مخيلة شاسعة قضى عمره رافضاً أن يروضها خوفاً على بكارتها من قدرة العصر على التلاعب ببراءة البوح والغضب والاحتجاج. كان الصياد الذي يدافع عن الغابة وقناديل القلب. كان شرساً في دفاعه وعنيفاً في اخلاصه وعنيداً في ولائه. كان صياداً مجنوناً لا يطلق النار إلاّ ليصيب نفسه.
كنا في مطلع الحبر والعمر حين تسللنا الى مائدته. قرأناه من الوريد الى الوريد. وأعدنا القراءة. وحين عدنا اليه بعد سنين وجدناه واقفاً حيث كان على ذلك الحبل الذي يفصل بين الحبر والدمع وبين الحلم والانتحار وبين الشغف والهاوية.
تقرأه فتهب عليك الصور. تتسلل الى قلبك وأوردة الرأس. هذا شاعر لا يطيق الحياد. يستحيل أن تكون معه نصف معجب ونصف عاشق. تكرهه أو تذهب معه. وان ذهبت دفعك الى الحدائق والمناجم وقدّم لك الحزن عرائس يتغاوين بقلائد الرغبة وخواتم اليأس.
قبل أسابيع هاتفني زميلنا إبراهيم حميدي من دمشق. كان في منزله ثم جاء صوته: «غسان. أنا. لا ازعبر. اكتب هذه الأيام أشياء جميلة ومستعد لكتابة مقال في «الحياة» كل أسبوعين». كان محمد الماغوط يعرف جوابي ويعرف انحيازي إليه منذ استدرجته للكتابة في «الوسط» قبل أعوام. ولأنني كنت أخشى على الصياد الذي أدمن اطلاق النار على نفسه والذي كان يعالج تصدّعات الروح بما يبيد الجسد كشفت عن طمعي. قلت له: «نبدأ بحوار طويل ثم نعلن لقراء «الحياة» عن موعد مقالتك».
كنا نعد الإعلان عن الحلقات أمس حين هاتفني إبراهيم ليبلغني أن محمد الماغوط لن يقرأ الحوار ولن يكتب. هجمت عليّ عبارات سمعتها منه في منزله وفي منزل الصديق فخري كريم رئيس تحرير «المدى» وفي المقهى الذي كان يحبه في دمشق. تذكرت عبارته الواثقة «ان الظلام الدامس يقترب». تذكرت قوله عاتباً «لا مستقبل لأمة كان لديها بيروت وأضاعتها».
حزنت. ركض محمد الماغوط عمره بوحشة الأنهار وطيش العصافير. كانت النار مشتعلة في ثيابه وأجنحته ومحركات الروح. كان يرمي الأيام مثقلة بأعقاب السجائر وأعقاب الأحلام المهشمة ككؤوس تطاردها لعنة الزلازل. هرب الى التراب نجمة تعبت من السهر على حبال المخيلة الراعبة. كان حارس منجم الحزن وبائع السموم الباهرة. وكنا نحب سمومه ولا نزال. و «الحياة» التي كانت تستعد لاستضافته كاتباً تنشر اليوم حواره الأخير تحية لبائع السموم الجميلة. |