هل في أزمة القيم والإنهيار الأخلاقي الذي يشهده الواقع مؤشراً ضمنياً لنهاية العالم ونهاية الإنسان ...؟
بات على هذا العصر أن تكون الأخلاق فيه هي المعيار الأول لقياس الكثير من مفاهيمه التي نخرتها مبادئ آيديولوجية لا صلة لها بالأخلاق...
وبات الإنسان الآن أكثر من أى وقتٍ مضى بحاجة إلى إعادة زراعة وتلقين جديدة للقيم الأخلاقية تكون مواكبة لأمواج العصرنة بما فيها من معارف وثقافات تتدفق بحيث تكوِّن قيمة أو مجموعة قيم إنسانية مشتركة تحقق التواصل الإنساني وتضرب في ذات الوقت بيد من حديد كل المبادئ الآيديولوجية التي أسستها العادات والثقافات وأفكار الحضارة المهدِرة والمبدِدة لمبادئ الأخلاق و المتداخلة معها بشكل يصعب التفريق بينهما ...
الملاحظ أن مظاهر التمدن والتكنولوجيا العلمية المعاصرة قدمت للإنسانية كافة أشكال الرفاهية وحاربت الأمراض والأوبئة التي كانت تفتك بالإنسان و ساهمت بهذا في المحافظة صحة الإنسان وعززت من رصيده السكاني بشكل طردي
إلا أن الغير مُلاحظ أنها في الجانب الآخر قوضت الإنسان داخليا ( أخلاقياً ) وجعلت منه كائن سطحي وقطيع غرائزي ينحدر للحيوانية يوماً بعد يوم ...
القيم هي جوهر الإنسان وجوهر وجوده واستمراريته ولا يمكن للعالم أن يستمر دون قيم ومبادئ تضمن أفقاً زمنياً صحياً لكينونة وجودها
العلوم والمعارف تطورت كماً وكيفاً ، ولكن هل هذا الكم الهائل من العلوم والمعارف ( بما فيها الفلسفة أساس هذه العلوم ) تخدم الجانب الأخلاقي والتربوي للإنسان أم إنها مقتصرة على تطوير الجانب الحيواني اللا أخلاقي فقط...؟
هذا السؤال أعتبره مفصلياً ومعبراً مهماً في تشريحياً لكافة العلوم والمعارف من أجل معرفة ماهية العلوم والمعارف سواء أكانت الدينية أو اللا دينية ، القادرة على تطوير الإنسان بجوانبه الأخلاقية والروحية والحيوانية....
إذ الكثير من هذه المعارف على كثرتها سواء أكانت علمية محضة أو علمية دينية لاتمثل الإنسان ولا تحمل همه الإنساني بل المشاهد إنها تقوِّضه من الداخل لتجعل منه نسخة مشوهة لما يحمله من علم سواء كان علماً معرفياً أو دينياً...
وإذا كان هذا التشويه الداخلي للإنسانية مؤشراً طبيعياً للمطالبة بالحرية لسد النقص الأخلاقي الداخلي وحاجة الإنسان الضرورية له ،إلا أن هذا المطلب أيضاً كان مشوهاً لأنه تم بعيدا ً عن معرفة حقيقية بماهية الحرية ...!
هل هي جوهر...؟
أم هي جزء لا يتجزأ من الأخلاق ...؟
وهل هناك تعريف واضح لمصطلح الحرية...؟
وهل بالإمكان وضع نظام معرفي لهذا المصطلح بعيداً عن الأخلاق...؟
أم أن ذلك يعطينا تفسيراً آخر مشوهاً وغارقاً في متاهات الآيديولجيا...؟
هل المطالبة بجرعات من الحرية هي نتيجة لأزمة القيم وأفول الأخلاق...؟
وما مقدار جرعة الحرية التي يجب على الإنسان أن يتعاطاها...؟
للأخلاق حرية وللحرية أخلاق
فلا أخلاق بلا حرية ولا حرية بلا أخلاق
والبعد الأخلاقي جزء لا يتجزأ من النسيج العام لحرية الإنسان...
ولا يمكن الحديث عن الحرية بعيداً عن الأخلاق ، فكي يكون الإنسان حراً لا بد أن يكون أخلاقياً وكي يكون أخلاقياً لا بد من مساحة من الحرية لأن إنسانية الإنسان تعني حريته وحريته تعني أن يكون أخلاقياً أو بمعنىً بسيط مسؤلاً عما يُمارسه من سلوك ، وعندما خلق الله الإنسان كائناً حراً فعّالاً لما يريد لم يجعله كذلك إلا بعد أن منحه مساحة من الأخلاق التي تنظم هذه الحرية...
فالإنسان في مراحله الأولى لا يملك حريته الكاملة في مزاولة سلوكيات وأنشطة الحياة وما ذاك إلا لكون الرصيد الأخلاقي لم يزل لديه في طور النمو...
والكثير من المخلوقات الأخرى من جمادات وأحياء لاتملك من الحرية مثل ما لدى الإنسان لأنها لا تملك من قيم الأخلاق مثل ما لديه...
لا يخلو أى إنسان من قيمة أخلاقية بدرجة أو بأخرى والقيم الإجتماعية لأى مجتمع على إختلافها تتشكل وفقاً لقاعدة التطور الرئيسة القائمة على مبدأ الأخلاق واللا أخلاق كقاسم مشترك إنساني ...
فالعادات الإنسانية تختلف وفقاً
للزمان
للمكان
لكنها تتفق وفقاً لمبدأ
الأخلاق
واللا أخلاق ...
أكثر من مبدأ أو ثقافة مكانية تساهم في تعزيز القطيعة بين الإنسان والأخلاق...
والنفس هي أكبر عدو للأخلاق وهي سبب القيم اللا أخلاقية كالجشع والطمع والجُبن والحسد والغيرة لتنمو وتشكل جزءاً من النسيج الإجتماعي ، ليكون النسيج الإجتماعي لمجتمعٍ ما مزيجاً بين الأخلاق واللا أخلاق ، الخير والشر ، الحقيقة واللا حقيقة ، الوثنية والتي هي مزيجاً بين الدين والخُرافة ...إلخ
هذا التمازج بين حاجة النفس وحاجة الروح / الأخلاق هو من صنع التفاوت الأخلاقي والقيمي والعلمي بين المجتمعات وقسم المجتمعات إلى :
مجتمع محافظ
مجتمع متحرر
مجتمع منحل
مجتمع وثني
مجتمع ملحد
مجتمع لا ديني
مجتمع لا أخلاقي
أو كما تشاء من مسميات...
العلاقة بين الأخلاق والحرية طردية فكلما زادت كمية الأخلاق في مجتمع قلت المناداة بالحرية وكلما قلت كمية الأخلاق زادت كمية المناداة بالحرية
ولا هوية للحرية بلا أخلاق
وممارسة الحرية بعيداً عن ضوابط الأخلاق تعني جنوح الإنسان إلى الفوضوية والحرية اللا أخلاقية كما أفهمها نزعة إلحادية لأنها محاولة لنفي ( الله / الأخلاق ) نفياً إقصائياً والتبشير للفوضوية
ولأن الإنسان كائن لا يستطيع توظيف الحرية توظيفاً أخلاقياً مطلقاً و يرى في الضوابط الأخلاقية نوعاً من الكبت والعبودية ، سُنّت ( القوانين ) كأطر أخلاقية نظرية ووضعية تنظم عمل الحرية الإنسانية...
والحرية مصطلح معاصر لا دلالات تاريخية ومعجمية واضحة له وهو إصطلاح آيديولوجي أكثر من كونه قيمي
فهناك ثمة إنفصام وتهويم كبيرين في المشهد العالمي لبعض القيم كالحرية والأخلاق
فهي تارة مناداة بالتحرية الفردية المطلقة والتفسخ الأخلاقي واسترقاق الجسد وهنا أصبحت الحرية بهذا المفهوم الآيديولوجي معولاً لهدم الحرية نفسها كون الإنغماس في متطلبات النفس محاولة للتملص من الأخلاق وعبودية للنفس والجسد وليس حرية لها...
إذاً الحرية في هذا الجانب هو تحرر النفس من حاجة النفس لا الحرية المطلقة التي هي كائن لا أخلاقي يعني سيطرة ( الأنا المنحطة ) كالغل والحسد والشهوة
الحرية مفهوم ثلاثي الأبعاد يختلف من شخص لآخر أو من أمة لأمة أو من ثقافة لثقافة أو من جيل لآخر ، فما أراه حرية يراه غيري تحرر ويراه ثالث كبت وإنغلاق وتخلف...
وهي رغبة الفرد في أن يعيش في مجتمع أخلاقي ورغبة هذا المجتمع في أن يكون هذا الفرد أخلاقياً
وهي دافع داخلي تحركه :
الرغبة / الإرادة
والرغبة تحركها الحاجة
والحاجة نوعان :
أخلاقية أو روحية
ونفسية أو جسدية كالحب والبغض والجنس والعدوانية وهي التي تعطي كما أشرنا في مواضع سابقة البعد اللا أخلاقي للحرية ، فللحرية كي تكون أخلاقية أن تتحرر من هذا الجانب...
تحية
19 - رمضان - 1428