د / وجدي يغرق !
بقلم : د / وجدي محمود القللي
نشأ صاحبنا في أسرة متدينة ،
يحفظ أفرادها جميعا القرآن الكريم عن ظهر قلب ،
ويتقنون العديد من اللغات الأجنبية بطلاقة ،
ولفت نظر صاحبنا أن معظم
أطباء أمراض النساء والتوليد في مدينته
من غير المسلمين ، وكان يؤلمه أن تذهب
مريضة مسلمة للعلاج عند غير المسلمين ،
فعقد العزم على أن يلتحق بكلية الطب ،
وأن يتخصص في أمراض النساء والتوليد ،
وراح يكد ويجتهد ، ويسهر الليالي الطوال ،
يحصل العلم النافع ، وكم أحس صاحبنا
بالرضا والسرور عندما ظهرت نتيجته بالثانوية العامة !
وكان ترتيبه الأول بلا منافس ، وراح يسجد لله تعالى
على فضله العظيم ، وما هي إلا لحظات
حتى ارتدى ملابسه ، وذهب إلى قبر أبيه
- رحمه الله - ليدعو له ،
ويقرأ على روحه الفاتحة ،
فقد كان مثله الأعلى في رحلة الحياة ،
ويالفرحة قلب صاحبنا عندما تم الإعلان
عن قبوله بكلية الطب !
وعندما بدأت الدراسة طفق يذاكر بهمة وعزيمة ،
وأمله لا يفارق عينيه أن يتخصص
في أمراض النساء والتوليد ، وشاء الله
لصاحبنا أن يكون الأول على كلية الطب كل عام ،
وبتقدير ممتاز ، ومرت أعوام وأعوام ، والحلم أوشك
أن يتحقق ، وها هو صاحبنا في الاختبارات النهائية ،
وقبل نهاية الاختبارات بمادتين دعاه
زميل له بالكلية أن يزوره في مدينته ،
وحدد له تاريخا معينا ، وظن صاحبنا أن هذا التاريخ
سوف يكون بعد نهاية اختبار آخر مادة دراسية
بكلية الطب ، وبعد الانتهاء من اختبار المادة قبل
الأخيرة فوجئ صاحبنا بزميله يدعوه ليصحبه
إلى مدينته ليشرح له صاحبنا آخر مادة في الاختبار ،
فاعتذر صاحبنا عن الذهاب معه ، وأخبره أنه
كان يظن أن هذا الموعد بعد الاختبارات ، كما أنه
لم يخبر أمه بذلك ، واعتذر صاحبنا لزميله ،
وودعه ، وعندما عاد صاحبنا إلى منزله وجد أمه
تنتظره لتطمئن على اختباراته ، وراحت تسأله
عن سبب تأخره عن موعد وصوله ، فأخبرها عن قصة
زميله ، والموعد الذي ضربه له من قبل ، واعتذاره
عن الذهاب معه ، وكانت أم صاحبنا قد جهزت طعاما
شهيا يحبه صاحبنا حبا جما ،
ألا وهو السمك المشوي الذي يعشقه بجنون ،
ولكنه فوجئ بأن أمه ترفع الطعام
من المائدة ، وتقول له : الصديق عند الضيق !
قم ، وارتد ملابسك بسرعة ، واذهب إلى زميلك ،
وكن في عونه يكن الله في عونك ،
وراح صاحبنا يقول لأمه :
إن زميلي في مدينة أخرى ،
تبعد 100 كيلومتر عن مدينتنا ، كما أنني
لا أعرف عنوان بيته ، فأصرت أمه على قولها ،
وطلبت منه أن يذهب إليه ،
وسوف ييسر الله له أمرا ،
وذهب صاحبنا إلى محطة الأتوبيس ،
وراح يسأل كيف يذهب إلى هذه المدينة البعيدة ؟!
وكان على يقين أن الله سوف ييسر له أمره ،
وراح يتذكر دعاء أمه له ، وإصرارها على الذهاب
إلى زميله ، والوقوف معه في شدته ،
وراح الأتوبيس يقطع المسافات الشاسعات ،
وصاحبنا متيقظ ، يدعو ، ويبتهل ، وكان الأتوبيس مكتظا
براكبيه من رجال ونساء وأطفال ،
وقبل أن يصل الأتوبيس إلى مدينة زميله بمسافة 10
كيلو متر تقريبا فوجئ صاحبنا بأن الأتوبيس يصطدم
بسيارة نقل كبيرة بمقطورة محملة بالحديد ،
وما هي إلا ثوان إلا ويسقط الأتوبيس في البحر ،
وابتلع البحر الأتوبيس إلا نافذة واحدة مفتوحة ،
وشاء الله أن يكتب لصاحبنا النجاة ،
وخرج من نافذة الأتوبيس ، ولم يفكر في نفسه فقط ،
بل راح بكل قوة وعزم يدخل ، ويخرج من هذه الفتحة ،
ويخرج مرة طفلا ، ومرة رجلا ، ومرة إمرأة ،
يخرجهم أحياء ، وأعطاه الله القوة ، وحسن التصرف ،
وكان يصارع الزمن حتى شاء الله أن ينقذهم جميعا ،
ثم راح يسعف بهمة ونشاط كل من ابتلع الماء ،
وتذكر قبلة الحياة التي درسها في كلية الطب ،
وراح الجميع يقبلون صاحبنا ، ويحتضنونه ،
ويدعون له ، ويقولون :
الحمد لله الذي أنقذنا على يديك .
أنشكر فيك الرجولة الفذة ؟!
أم نشكر فيك الطبيب البارع ؟!
وراح صاحبنا يدعو ، ويبتهل ،
وجاءت سيارات الإسعاف لنقل من يستحق النقل
إلى المستشفيات ، وتطوعت سيارات أخرى
لنقل الباقين إلى مدنهم وقراهم .
وبقي صاحبنا وحده يدعو ، ويبتهل ، وراح يتذكر أمه ،
ودعاءها له ، وراح يتذكر زميله
الذي ينوي الذهاب إليه ،
وأخذ صاحبنا يفكر ... أيعود أدراج الرياح ؟
أم يواصل رحلته إلى مدينة زميله ؟! ، واستقر رأيه
أن يواصل رحلته ، وكان صاحبنا
رياضيا من الدرجة الأولى ،
وكان يعشق رياضة المشي ، وطرأت عليه فكرة :
باقي 10 كيلو مترات ،
لماذا لا تقطعها سيرا على الأقدام ؟ّ!
وفعلا راح صاحبنا يمشي بهمة ،
ويقرأ القرآن الكريم بتدبر ،
وما هي إلا ساعتان حتى وصل إلى منزل زميله ،
بعد أن سأل رجلا من قريته عن عنوانه ،
وكم كانت فرحة زميله حينما رآه ، بدت على محياه
أسارير الفرح ، وراح يحتفي به أيما احتفاء ،
ويشكر له قدومه المبارك ، وراحا يذاكران معا
المادة الأخيرة بهمة ونشاط ،
وبات صاحبنا عند زميله ، وفي صباح اليوم التالي
ذهبا معا لأداء اختبار المادة الأخيرة ،
ثم راح صاحبنا إلى منزله ،
وراح يقص على أمه القصص ،
فباركت له ، ودعت له ،
ولما ظهرت نتيجة السنة النهائية
كان صاحبنا الأول على الكلية كلها ، وبتقدير ممتاز ،
وشاء الله أن تموت أمه يوم تخرجه ،
بعد أن فرحت له كثيرا ، ودعت له ،
رحم الله أم صاحبنا ،
فقد كانت له نبراسا مضيئا في رحلة الحياة .