تسللت لقاعة الحكم .. لم أجد الحرس ولا الخدم .. لابد أن (معاوية) ذهب في رحلة صيد وأخذ معه حاشيته، اقتربت من كرسي الإمارة وأنا أتفحصه جيداً وأمرر يدي على الفرو الناعم المعّلق خلفه وريش النعام الذي يستعمله الخليفة للتهوية في لياليه الحارة، غير السيوف المرصعة بالأحجار الكريمة والدروع المطعمة بالذهب، التي تزين جدران القصر .. ووجدت نفسي أجلس على كرسي الإمارة وأصبحت أميراً للمؤمنين بدون منازع ولا قتال، وراقت لي الفكرة ..
صرخت بأعلى صوتي: أيها الحاجب .. أيها الحاجب.
ولا أدري من أين خرج رجل مُسن غزاه الشيب ولم ترحمه التجاعيد وانحنى أمامي .. أنى اذكر ذلك جيداً .. انحنى أمامي قائلاً: أمرك مولاي، وظل على انحناءته فالتفت خلفي عله كان يقصد غيري وعندما لم أجد أحداً أدركت أن من يجلس على كرسي الإمارة هو الحاكم فأسندت ظهري إلى الخلف وكتمت نفسي قليلاً حتى انتفخت أوداجي كما هي عادة الحاكم دائماً وقلت بصوت مرتفع "من على الباب ؟" فأعتدل في وقفته وقال بصوت منخفض كما هي عادة المحكوم دائماً "الشعراء يا مولاي".
قلت: "أدخلهم حالاً"، وما هي إلا لحظات حتى دخل طابور طويل لوجوه تحمل الملامح نفسها ويرتدون ملابس مزركشة وانحنوا جميعاً مرددين "أطال الله بقاء مولانا.. ولانا.. نا".
وما قلت لهم اجلسوا حتى أخذوا أماكنهم وكأنهم اعتادوا الجلوس على هذه الأرآئك. ابتسمت لهم فضحكوا جميعاً ووقف أحدهم ويبدو أنه أفحلهم شعراً وألقى قصيدة طويلة تطاير الزبد من فمه خلالها ولم أفهم منها شيئاً إلا أنه كان يمجد ابتسامتي، وتوالى بعده الطابور حتى أصابني الزهو وربما الغرور أيضاً فأمرت الحاجب بأن يمنح كلاً منهم خمسمائة دينار ذهباً، من بيت مال المسلمين طبعاً، فتصاعدت الدعوات منهم بطول بقائي حاكماً فوق رؤوسهم وانصرفوا ..
ودخل الحاجب قائلا ً: "يا مولاي هناك أعرابي على الباب يلح في مقابلتك".
"حسناً دعه يدخل".
فدخل رجل رثُ الملبس وهو يتوسل "أنصفني يا أمير المؤمنين .. "
قلت له "من ظلمك ؟".
قال: "إن أحد اليهود بقر ناقتي ..
ضحكت كثيراً وتأسفت أكثر لأنني استيقظت قبل أن أقول له: "إنهم الآن يبقرون بطون نسائنا الحوامل ولم نحرك ساكناً".